الصفحة 65 من 516

آخر، وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم، لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب، أخبركم أنه من عند الله، وقلتم أنتم أنه تقوله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون:

(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) يعني من مثل القرآن, قاله مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير،، فالضمير في قوله (من مثله) عائد على القرآن ونسب هذا القول ابن كثير لأكثر المحققين، ونسبه القرطبي أيضًا للجمهور.

ونسبه ابن عطية لجمهور العلماء أيضًا.

وقيل: (من مثله) أي من مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم.

قال ابن جرير: والتأويل الأول هو التأويل الصحيح، لأن الله جل ثناؤه قال في سورة أخرى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) ومعلوم أن السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه.

-قال الآلوسى: قوله تعالى (وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ) لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، والتوحيد والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة.

-وقال ابن عاشور: انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزئي الإيمان بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك بما قدمه من قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) .

-قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) فيه تحدي المشركين أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن.

-وقد وقع التحدي على عدة أوجه:

تحداهم أن يأتوا بقرآن بمثل هذا القرآن: قال تعالى (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) ، وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) .

وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله: قال تعالى (أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .

وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله. كما في هذه الآية.

-قوله تعالى (عَلَى عَبْدِنَا) فيه عظيم منزلة العبودية، حيث وصف الله تبارك وتعالى نبيه بهذا الوصف في مقام التحدي.

-وقد وصف الله نبيه بالعبودية في أعلى المقامات:

في مقام التحدي: كما في هذه الآية.

وفي مقام الإسراء والمعراج: قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) .

وفي مقام الإيحاء: قال تعالى (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) .

وفي مقام الدعوة: قال تعالى (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) .

وقد قال تعالى عن المسيح ابن مريم (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.

-قال ابن تيمية: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له: كان أقرب إليه وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت