وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقًا أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً) أهو الذي أعلمهم أم غيره، وهذا قول حَسَن، والقول الأوّل أيضًا حسن جدًا؛ لأن فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء؛ وما بين القولين حسن، فتأمّله. (تفسير القرطبي) .
(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) التسبيح: تنزيه الله عن العيوب والنقائص، وبحمدك: أي تسبيحًا مصحوبًا بحمدك، فتكون الجملة متضمنة لتنزيه الله عن النقص، وإثبات الكمال لله بالحمد.
-واختلف في تسبيح الملائكة: فقيل: تسبيحهم صلاتهم، وقيل: تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، وقيل: تسبيحهم سبحان الله على عُرفه في اللغة وهذا هو الصحيح، لما رواه أبو ذَرّ. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال:"ما اصطفى الله لملائكته(أو لعباده) سبحان الله وبحمده) أخرجه مسلم."
(وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي: نطهرك من كل عيب، فقال الله لهم:
(قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار.
-قال الشوكاني: قوله تعالى (قال إني أعلم ما لا تعلمون) ولم يذكر متعلق (تعلمون) ليفيد التعميم ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر بالقصر.
-وقال القرطبي - رحمه الله - بعد أن ذكر بعض هذه الوجوه: قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون وما هو كائن فهو عام.
الفوائد:
1 -إثبات القول لله تعالى لقوله تعالى (وإذ قال ربك .. ) .
2 -إثبات الملائكة. والملائكة عالم غيبي خلقهم الله من نور، وظيفتهم عبادة الله تعالى.
فالإيمان بهم من أركان الإيمان.
قال - صلى الله عليه وسلم - في بيان أركان الإيمان (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) متفق عليه.
خلقهم الله من نور.
كما قال - صلى الله عليه وسلم - (خلقت الملائكة من نور) رواه مسلم.
يعبدون الله لا يملون.
كما قال تعالى (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) . ومعنى لا يفترون: لا يضعفون.
وقال تعالى (فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون) .
عددهم كثير لا يعلم عددهم إلا الله.
كما قال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - في البيت المعمور في السماء السابعة (فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم) رواه مسلم.
ونعرف أسماء بعضهم.
إسرافيل (الذي ينفخ في الصور) وجبريل (هو الذي يأتي بالوحي) وميكائيل (هو الذي موكل بالقطر) .