فقيل: المراد آدم.
-قال القرطبي: والمعني بالخليفة هنا في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل آدم عليه السلام.
لأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره.
وقيل: أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، ورجح هذا القول ابن كثير.
كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) . وقال (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) .
ويدل على أنه ليس المراد آدم قول الملائكة (أتجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء) فإنه من المعلوم أن آدم ليس مما يفسد في الأرض ويسفك الدماء. (انتهى كلام ابن كثير) .
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا.
(قَالُوا) أي: الملائكة.
(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) بالمعاصي.
(وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) هذا تخصيص بعد تعميم، فإن سفك الدماء من الفساد، لكن خصص لعظيم مفسدته، فإن القتل من أكبر الكبائر.
-وهذا فيه دليل على أن الملائكة لا تعلم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله كما قال تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) .
-قال ابن كثير: قول الملائكة ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك.
-فإن قيل: كيف عرفت الملائكة أنه سيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء:
قيل: لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد، إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد.
وقيل: إن الله أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
-قال القرطبي: قوله تعالى (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعْلِمت ولا تَسبِق القول، وذلك عام في جميع الملائكة؛ لأن قوله (لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول) خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) ؟
فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد؛ إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، لكن عمّموا الحكم على الجميع بالمعصية؛ فبيّن الربّ تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبًا لقلوبهم (إني أَعْلَمُ) وحقّق ذلك بأن علّم آدم الأسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه.
وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء، وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العِزّة.