الصفحة 92 من 516

لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم. قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} فلولا أنه من الملائكة، لمَا توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصيًا، ولما استحق الخزي والنكال.

وقالوا: فإخراجه بالاستثناء منهم دليل على أنه منهم.

-قال الماوردي: وعلى قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فاختلفوا في قوله تعالى (إِلاَّ إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ) لِمَ سماه الله تعالى بهذا الاسم، على أربعة أقاويل:

أحدها: أنهم حي من الملائكة يُسَمَّوْن جنًّا كانوا من أشدِّ الملائكة اجتهادًا، وهذا قول ابن عباس.

والثاني: أنه جعل من الجنِّ، لأنه من خُزَّانِ الجنَّةِ، فاشتق اسمه منها، وهذا قول ابن مسعود.

والثالث: أنه سمي بذلك لأنه جُنَّ عن طاعة ربِّه، وهذا قول ابن زيدٍ.

والرابع: أن الجِنِّ لكلِّ ما اجْتَنَّ فلم يظهر، حتى إنهم سَمَّوُا الملائكة جنًا لاستتارهم، وهذا قول أبي إسحاق.

الفوائد:

1 -إثبات القول لله.

2 -بيان فضل آدم على الملائكة، حيت أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيمًا له، ولآدم فضائل:

أنه أبو البشر - خلقه الله بيده - علمه الله أسماء كل شيء - أن الله نفخ فيه من روحه - وأسجد له الملائكة.

3 -أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة، لأن الله تعالى يحكم بما شاء، ويدل على أن المحرم إذا كان بأمر الله كان عبادة قصة إبراهيم - عليه السلام -، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله.

4 -أن ترك السجود لله كفر بالله.

5 -أن الأمر يقتضي الوجوب إذا لم يوجد قرينة، وجه الدلالة: أن الله قال للملائكة (اسجدوا) فلما امتنع إبليس وبّخه وحكم عليه بالعصيان وقال (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) . ومما يدل على أن الأمر للوجوب قوله تعالى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .

6 -الحذر من الرجس والسريرة الخبيثة، لأن إبليس غلبه ما في قلبه من الرجس والسريرة الخبيثة حتى استكبر وأبى.

7 -طاعة الملائكة لربها.

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) .

[البقرة: 35 - 36] .

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) يقول تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم، بعد أن أمر الملائكة بالسجود له (فسجدوا إلا إبليس) إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها حيث يشاء.

وسبق معنى الجنة في اللغة، وفي الاصطلاح، والمراد هنا جنة الخلد.

-قال ابن عاشور قوله تعالى (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ ... ) عطف على (وقلنا للملائكة اسجدوا) أي بعد أن انقضى ذلك قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وهذه تكرمة أكرم الله بها آدم بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاءِ الملائكة، ونداء آدم قبل تخويله سكنى الجنة نداء تنويه بذكر اسمه بين الملإ الأعلى، لأن نداءه يسترعي إسماع أهل الملإ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت