الصفحة 93 من 516

-قال الرازي: قوله (وزوجك) أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء (الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وفي الأعراف (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) ، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت) .

-قال القرطبي: قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عَوْجاء؛ لأنها خُلقت من أعوج وهو الضّلع.

-قال ابن كثير: أَمَرَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَسْكُنَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) .وقال في الأعراف (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وَقَالَ تَعَالَى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة؛ لقوله (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) وهذا قد صرح به ابن إسحاق، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَاتِ (البداية والنهاية) .

-اختلف العلماء في الجنة التي أسكنها آدم هل هي جنة الخلد أم لا على قولين:

القول الأول: أنها ليست جنة الخلد، وإنما جنة في الأرض. واستدلوا:

قالوا: إن جنة الخلد يكون دخولها يوم القيامة، ولم يأت زمن دخولها.

وقالوا: وصف الله الجنة بأنها (دار المقامة) فمن دخلها أقام بها، ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها.

وقالوا: إن جنة الخلد دار سلامة مطلقة، لا دار ابتلاء وامتحان، وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء.

وقالوا: ولو كان آدم أسكن جنة الخلد، فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم حتى فتن فيها آدم.

القول الثاني: أنها جنة الخلد. واستدلوا:

بقوله تعالى (اهبطوا) والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل.

وقالوا: إن الله وصفها بصفات لا تكون إلا في جنات الخلد فقال (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) وهذا لا يكون في الدنيا أصلًا.

وجاء في الصحيحين في حديث احتجاج آدم وموسى، (قال موسى لآدم: أخرجتنا ونفسك من الجنة) ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين، فلم يخرجوا من الجنة.

وهذا القول هو الصحيح.

-قال القرطبي: ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخُلْد وإنما كان في جنة بأرض عَدَن.

واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس، فإن اللَّه يقول (لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ) وقال (لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ كِذَّابًا) وقال (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سَلاَمًا) ، وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: (وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ) ، وأيضًا فإن جنة الخُلْد هي دار القُدْس، قُدّست عن الخطايا والمعاصي تطهيرًا لها، وقد لَغَا فيها إبليس وكَذَب، وأُخْرِج منها آدم وحواء بمعصيتهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت