-فإن قيل: ما وجه الحكمة في تخصيص تلك الشجرة بالنهي؟
فالجواب: أنه ابتلاء من الله تعالى بما أراد.
وقال أبو العالية: كان لها ثقل من بين أشجار الجنة، فلما أكل منها: قيل أخرج إلى الدار التي تصلح لما يكون منك (زاد المسير) .
(فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله، بمخالفة أمره.
-قال الرازي: قوله تعالى (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) قال بعض العلماء هذا النهي نهي تحريم ويدل عليه أمور:
أحدها: أن قوله تعالى (وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة) كقوله (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ) وقوله (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ) فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول.
وثانيها: أنه قال (فَتَكُونَا مِنَ الظالمين) معناه: إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) .
وثالثها: أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه (تفسير الرازي) .
-هل كان آدم ناسيًا عند ما أكل من الشجرة؟
قيل: كان ناسيًا.
لقوله تعالى (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) .
ويضعف هذا القول قوله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) .
وقيل: إنه كان عامدًا وأنه طمع في جنة الخلد كما في قول إبليس له (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) . والله أعلم.
-ورجح القرطبي الأول، وقال: قلت: وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حَتْمًا وجَزْمًا فقال (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) ، ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقّظ لكثرة معارفهم وعُلُوّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكّر النّهي تضييعًا صار به عاصيًا؛ أي مخالفًا.
-قال في التسهيل: اختلفوا في أكل آدم الشجرة:
فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) .
وقيل: سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر.
وقيل: أكل عمدًا وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر.
وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها.
وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذبًا.
(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) أي استزلهما، وأوقعهما في الزلل وهو الخطأ.
-قوله تعالى (عَنْهَا) قيل المراد (عن الجنة) ويكون المعنى: نحاهما الشيطان عن الجنة، وقيل: (عن الشجرة) ويكون المعنى: أزلهما الشيطان بسببها، أي بسبب أكلهما منها.
-قال في التسهيل: (عَنْهَا) الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.
-وقد بين تعالى في موضع آخر كيف أزلهما وذلك بالقسم والإغواء.
كما قال تعالى (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) .