الصفحة 163 من 645

ونقرأ في المزمور أيضًا على لسان الداعي (صرت أجنبيًا عند أخوتي وغريبًا عند بني أمي .) ، ولو كان المصلوب هو المسيح عليه السلام ، فكيف صار على الصليب غريبًا عند بني أمه وأجنبيًا عند أخوته ، ألا ينبئنا هذا القول بأن الذي سيصلب وسيحسبه الناس المسيح عليه السلام ، لن يكون هو ، بل آخر ، وإذ يحسب الناس هذا الآخر المسيح نفسه ، فإنه - أي المصلوب - يصير بذلك أجنبيًا عند إخوته وغريبًا عند بني أمه ، أي أنهم لم يعرفوا أنه يهوذا إذ ظنوه المسيح ، وبهذا يستقيم معني الآية المذكورة ونفهمه ، أما القول بأن الذي صلب هو نفسه المسيح ، فقول لا تستقيم به على الإطلاق معاني الآية .

ثم إن المزمور يقول أيضًا على لسان المصلوب (حينئذ رددت الذي لم أخطفه ) وعلى ما يبدو في هذا المزمور من غرابة في هذه الآية ، فإن الغرابة لا تقوم إلا مع القول بأن المسيح هو الذي صلب ، لأننا لا نفهم حينئذ معني لقوله أنه رد الذي لم يخطفه ، ولكن الغرابة تزول حين نقول أن الذي صلب هو يهوذا الأسخريوطي ، فهو قد حاول بمؤامرته للقبض على المسيح ، بخطفه من بين تلاميذه ، ولكن الله خلصه منه وممن معه ورفعه إليه من بين أيديهم ، فهو إذن وإن أتي ليخطفه ، إلا أنه لم يخطفه ، فكيف هو رغم ذلك رده ، والإجابة على ذلك تتضح في سكوته بعد ذلك وإصراره الواضح في الأناجيل على عدم الكشف عن حقيقة شخصيته ، وكأنما هو بذلك في ظنه يحفظ المسيح منهم ، فيصلبونه ظنًا منهم أنهم يصلبون المسيح بينما المسيح بعيد عن أيديهم كما يعتقد ، وهو بذلك كأنما يكفر عن خطيئته ويحفظ المسيح نفسه ، ومن ثم فكأنما هو يرد هذا الذي لم يخطفه بالتستر على حقيقة شخصيته هو - أي يهوذا - رغم أنه لم يخطفه بالفعل .

والمزمور من أوله يؤكد اليأس واقتراب النهاية ، وينتهي باليأس أيضًا ، وهو إنما يرمز بحق إلى يهوذا الأسخريوطي دون المسيح كما فصلنا ، ومن ثم فهو نبوءة بصلبه ، أي بصلب يهوذا . (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت