الصفحة 172 من 645

فماذا يكون بعد إذ يسقط هؤلاء الألف ، هل يقبضون عليه ، لا ، بل إليه لا يقرب ، هكذا يقول المزمور ، والربط بين هذا القول وبين سقوطهم يعني أنهم بعد سقوطهم لا يستطيعون أن يقربوا منه ، فلماذا ذلك إلا أن يكون الله قد رفعه من بينهم ، بخوافيه أخفاه وتحته أجنحته حماه كما يقول المزمور ، ويتحدث المزمور أثر ذلك عما سيكون من أمر يهوذا الأسخريوطي إذ بعد قوله أن إليه - أي المسيح - لا يقرب ، نراه يقول له أن بعينيه ينظر ويري مجازاة الأشرار ، أليس ذلك يهوذا الأسخريوطي مقبوضًا عليه ومصلوبًا بدلًا منه ، ويمضي المزمور بعد ذلك مؤكدًا تخليص الله للمسيح عليه السلام في هذه اللحظة بالذات ورفعه إليه ، فهو يقول عن المسيح أنه لأنه قال لله يا رب أنت ملجأي جعل العلي مسكنه ، وما ذلك ليكون إلا برفعه إليه ، ثم هو يؤكد أنهم لن ينالوه بقوله أنه لا يلاقيه شر ولا تدنو ضربة من خيمته ، ثم نصل إلى هذا الكلام الذي جرب به إبليس المسيح ونعرف من رد المسيح أنه يؤيد أنه المقصود بهذا الكلام ولكن لا يطيع إبليس لأنه مكتوب أيضًا (لا تجرب الرب إلهك) ، وللمرء أن يتساءل ، فإذا كان المسيح هو المقصود بهذا الكلام فمتي تحقق ، إن المسيح على علمه أن هذا الكلام مكتوب عنه رفض أن يجربه لأنه مكتوب (لا تجرب الرب إلهك) ، فكيف إذن كان هذا الكلام مكتوبًا عنه إلا أن يتحقق فيه بالفعل ، وإنما في الوقت الذي يختاره الله وليس المسيح حتى لا يجرب بذلك ربه ، ولكن ليس معني ألا يجرب المسيح ربه أن ما كتب عنه لن يتحقق ، بل لابد وأن يتحقق ، وإلا لما صح اعتباره مكتوبًا عنه ، فهل تحقق ذلك ألا يرفع المسيح عليه السلام ، وهو ما يقول به في كتابه كما رأينا القديس أغسطينوس ، ولكن متى كان ذلك ، هل في المزمور ما يشير إلى لحظة أخرى غير محاولة القبض على المسيح ، أبدًا ، فكل ما فيه يشير تمامًا إلى تلك اللحظة ، والمزمور نفسه إذ يستطرد يقطع بأن المقصود منه هو رفع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت