فهرس الكتاب
وهذا من نداءات الحلاج ؛ فلا يبعد أن يفجأ الإنسان مرآةٌ فينظر فيها، ولم ير المرآة قط فيظن أن الصورة التي رآها في المرآة هي صورة المرآة متحدة بها - قال سفر: يعني: يشبِّه رؤيتهم لله كإنسانٍ ينظر في مرآة فنسي المرآة، وظن أن الصورة التي رآها أمامه وهي عين الشيء المرئي بينما هو في الحقيقة مجرد مرآة، ويقول: إن بعض العارفين لم يصل إلى درجة الاتحاد، ولكن يظن أنَّه وصل إليها ؛ إنما هي كالمرآة -، أو مَن يرى الخمرة في الزجاج فيظن أن الخمرة لون الزجاج فإذا صار ذلك عنده مألوفًا، ورسخ فيه قدمه واستغرقه فيه فقال:
رق الزجاج وراقت الخمر وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قَدَح وكأنما قدَح ولا خمر
قال سفر: طبعًا استشهاد الصوفية بأبيات الخمر، والعشق، والغزل، والنهود، والقدود، والخدود: هذا أمرٌ لا يحتاج إلى تنبيه ؛ لأنه دائمٌ عندهم!!.
يقول: وفرقٌ بين أن يقال: الخمر قَدَح، وبين أن يقال: كأنَّه قدح - قال سفر: يعني: أيضًا فرقٌ بين من يقول إنَّه رأى الله أو كأنه رأى الله وتجلَّى له -.
ويقول: وهذه الحالة إذا غلبت سمِّيت بالإضافة إلى صاحب الحال: (فناء) ، بل (فناء الفناء) ؛ لأنه فنيَ عن نفسه، وفني عن فنائه ؛ فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال، ولا بعد شعوره بنفسه، ولو شعر بعدم شعوره بنفسه: لكان قد شعر بنفسه، وتُسمَّى هذه الحال بالإضافة إلى المستغرق فيها بلسان المجاز: (اتحادًا) ! وبلسان الحقيقة: (توحيدًا) .
قال سفر: هذا هو توحيد الصوفية، وهو: هذه الحالة حالة الاستغراق التي تسمَّى بالإضافة إلى المستغرق فيها بلسان المجاز: (اتحادًا) - كما يقول الغزالي إنَّه مجاز فقط - وبلسان الحقيقة: (توحيدًا) ، وليس مجازًا.
ويقول: ووراء هذه الحقائق أيضًا أسرار لا يجوز الخوض فيها.أ.هـ