الصفحة 21 من 32

وفعلًا.. رأيت الجواب بأم عيني..! كان الطريق قبل وصولِنا إلى سفج الجبل محفوفًا بدبابات العدو وآلياته.. وآلياتهم تتناثر يمنة ويسرة.. وأولئك الأوغاد يشربون أقداح ( الفودكا ) وهم يعتلونها.. فكان لزامًا علينا أن نتأهب للمواجهة في أي لحظة.. وإن كنتُ أكاد أوقن أن الله قد جعل حينها من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا.. فأغشاهم فهم لا يُبصرون..!

ووصلنا إلى السفح..

وكانت مجموعتنا في المقدمة.. الدليل.. ثم أحد الإخوة .. ثم أنا.. ثم صاحبي ( س . أ ) .. ثم بقية الإخوة.. وبين كل واحدٍ وأخيه عشرة أمتار تقريبًا..

التعليمات كانت واضحة صارمة: ألا نُصدر أي صوتٍ مهما كان.. إلا حين نتوقف للراحة ونقترب من بعضنا البعض.. فكان صاحبي يشاكسني بين حين وآخر.. فيرمي علي حجرًا أو غصن شجرة.. وهو يُلوح بعلامة النصر.. ويتبسم..!

لم نكد نقطع بعض الطريق حتى تناهي إلينا صوتُ خطواتٍ سريعةٍ حولنا.. فتوقفنا.. وأشار إلينا صاحبي أن نجلس على الأرض.. وذهب هو ليستقصي الأمر..

كنتُ قلقًا عليه.. فأشرت إليه لأذهب معه.. فأبى.. ومضى وحده صوب الصوت.. وهو ممتشقٌ سلاحه الذي لا يُفارقه..

مرت دقيقتان أو ثلاث كأنها دهرٌ ترقبًا وتوجسًا.. ثم أقبل صاحبي وثغره يفتر عن ابتسامة وضيئة.. ويداه تشيران: ألا تقلقوا.. إنما هي خنازيرُ وحشية.. وكانت تملأ الجبال هُناك..!

وعُدنا إلى المسير.. وفلول الليل تلوح لنا من بعيد.. ونحن نسابق خيط الشمس قبل أن يتوارى خلف تلك القمم المكللة بالثلوج..

أعترف بأني كنتُ متعبًا وخائفًا.. فتلك أول مرةٍ أقطع فيها مثل تلك الجبال وفي مثل تلك الظروف.. لكنك حين تلمحُ عزم الإخوة وثباتهم فإنك تعود إلى نفسك وتتصاغرها أمام العزائم التي لا تنحني ولا تخور..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت