فهرس الكتاب
حتى وصلنا إلى الكتيبة.. فتعالى التكبيرُ من الإخوة المرابطين على حراسة الكتيبة.. فرد عليهم الإخوة في المسيرة بالتسبيح.. ولاحت لنا خيام الإخوة ونيرانهم على ضفاف الجدول أسفل التبة العالية.. وحينها بحثت عن عيني صاحبي ( س . أ ) لأرى فيها ما كنتُ أتوقع منها في مثل هذه المواقف.. فما خاب ظني.. فقد رأيتُ دموعه تترقرق وهو يُعانق الإخوة في الكتيبة.. ويغالب العبرة التي تهز صدره هزًا..!
ألقينا عن كواهلنا الحقائب التي كانت مملوءة بأمتعتنا وببعض الرشاشات والذخائر وبشئٍ من الطعام والمعلبات التي تحتاجها الكتيبة.. والتعبُ قد بلغ من مبلغه..
ثم جمعنا الأميرُ.. ووزع الإخوة إلى سرايا.. فكان صاحبي في سرية وأنا في أخرى..!
صلينا المغرب والعشاء جمع تقديم.. وأثناء الصلاة كان حس نشيج خاشعٍ يتعالى وصاحبه يحاول كتمانه قدر جهده.. ووالله إن حسَّه كان يُسمع من وراء الصفوف..!
لم أكن بحاجةٍ لأن أُكثر التفكير في معرفة صاحب البكاء.. فقد التفتُ صوب الصوت بعد انقضاء الصلاة فرأيت ما كنت أتوقع.. رأيت صاحبي ( س . أ ) ..
يا إلهي.. أي خشية تملك تملأ قلبه - أحسبه كذلك - .. وأي رقةٍ يحملها فؤاده الذي ينقلب صلدًا قويًا حين يُلاقي أعداء الله.. بل أي روحٍ تلك التي تمر عليها - فيما يظهر - كل فصول النفسيات في يوم واحد: رقةٌ .. فقوةٌ .. فرحمةٌ..
فشدة..؟!
قام الأمير بعد الصلاة ليُخبرنا بأن توزيع الحراسة الليلية من اختصاص مسؤولي السرايا.. ثم تفرق جمع الإخوة كلٌ يمضي إلى مخدعه..
وما كدتُ أضع رأسي على فراشي.. حتى جاءني مسؤول سريتنا ليخبرني أن دوري في الحراسة يكون بعد ساعتين..!
ولا تسل حينها عن شعور متعبٍ مكدودٍ في ظلامٍ دامس وبردٍ شديد.. وهو يتمنى لو دفع كل ما يملك مقابل ألا يتولى الحراسة في تلك الليلة بالذات..!