فهرس الكتاب
أما صاحبي فكان يمر على بعض الشباب.. يُذكر بقيام الليل.. ويُوصي بقراءة الورد.. ويُمازح ويُشاكس.. حتى جاء إلي.. فقال بعد فاصلٍ من المزاح والتلطيف:
**"... متى دورك في الحراسة ..؟!"
**".. بعد ساعتين ..!!"..
**"أعانك الله .."..
قال الراوي:
"... وحل الظلامُ سريعًا.. وأحاط الكونَ برداءٍ من الهيبة والسكون.. واستسلمتُ لنومٍ عميق.. حتى أتى من يوقظني للحراسة الليلية.."
يااااااالله.. ما أعجب الإنسان..!
كم هو سهلٌ على النفس أن تبني قصورا من الخيال والأحلام.. وتُمضي وقتًا في الأماني والتطلعات.. وتحلق في آفاق الآمال الوردية..!
وما أيسر أن يتخيل الإنسان نفسَه حيثُ يحب.. ثم يمضي في تخيلاته وهو يدعو الله أن يُعجل باليوم الذي يكون فيه الخيال حقيقةً مُعاشة..!
فإذا ما تحقق الخيالُ ونيلت الأماني ودنا المأمول.. تكشف الأمرُ عن حقيقةٍ راسخة: أن الواقع مختلف عن المثال.. وأن أعباء الطموح شاقةٌ..
كانت هذه الخواطر تمر علي وأنا أخطو بتثاقل نحو مكان الحراسة الليلية.. وفي ذهني تلك الآمال التي كنتٌ أرسمها لعالم الجهاد والرباط، وأدعو الله أن يذيقني لذتها.. فمالنفسي تهاب وتخاف وهي تعيش أولى ليالي الأماني..؟!
لكنه الجهاد والرباط..!
ليس نشيدًا نترنم به ونحن مستلقون على فرشنا.. ولا شريطًا مرئيًا نقلب النظر فيه ونحن متكئون على الأرائك.. ولا أمنيةً يحلو للنفس العيش في أجوائها وهي متنعمة بين الأهل والأحباب..!
بل الأمر عزيزٌ.. وشديد..!
بردٌ وظلام.. وخوفٌ وجوع.. ومشقة ونصب.. فمن كان يظن أنه سيجاهد بلا ضريبة من تلك الضرائب فليقعد في بيت أهله.. وليملأ وسادته تحت رأسه..!
هذا هو الجهاد.. وذاك هو الرباط.. كالشهد لا يناله طالبُه من منبعه إلا بوخزاتٍ من الإبر المؤلمة..!
أما الشهادة.. فهي الاصطفاء الرباني.. وهي المنحةُ التي لا ينالها إلا الموفقون الصادقون..!