فهرس الكتاب
وقد نزغ الشيطان بين الفريقين، ولبَّس عليهم الأمور، فخُيل إليهم أن الورمَ هو المرض، وما علموا أنه مجرد"ظاهرة"للمرض الساري في الجسد منذ أمد، فجاءت الأحداث الأخيرة لتكون الشوكة التي نكأت الورم، فانبجس منه قيحُ الفتنة وصديدُ الفُرقة..!
لا يهمني أبا معاذ شيئًا من ذلك، لأني ألمح خلف ركام الشتات والاختلاف بصيصًا من أملٍ واعد، واجتماعٍ مُحبب..
ولأن العواصف ستهدأ حتمًا، والزوابعَ ستسكن يومًا.. وسيذهب الزبد جفاءً، ويبقى ما ينفع الناس..
لذا؛ لا يهمني ذلك كله، كما يُهمني ألا تتمثل هذا البيت وأنت تتصور حالي معك..!
إن مجرد تخيل رحيلك وأنت تحمل في قلبك عتابًا علي، يُحيل نبضات قلبي إلى سهامٍ ترمي الفؤاد، لا ترحمُ ولا تني..!
فعُذرًا - لو أجدى العذرُ - عُذرًا.. إن كنتُ قد قصرتُ في حقك وأنت بين يدي..
وعُذرًا - أيها الراحل - عن مخاصمتي إياك في أمرٍ لا يستحق الخصامَ ولا اللدد، لو تمعَّنتُ فيه لبكيتُ ألمًا، وشر البلية ما يُبكي..!
وعُذرًا- أيها الحبيبُ - .. إن كنتُ قد هجرتُك إثر موقفٍ تافهٍ، لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما التفتُ إليه..!
لو..؟!
لو..؟!
وهل تفتح ( لو ) إلا عمل الشيطان..؟!
يا صاحبي الذي مضى..
هذه آفةٌ ( أخوية ) مستشرية:
نتجادل ونتخاصم ونتهاجرُ في أمورٍ هي من سفاسف الأمور..
حتى إذا ما رحل أخي، أو غاب، أو مات.. عُدتُ إلى نفسي؛ أبكي على ما سلفَ منّي وبدر..!
وأشعر نحو أخٍ لي بمشاعر الحب الصادق في الله، فتظل تلك المشاعرُ حبيسةَ الأضلاع، أحسبها"ميوعةٌ"لا تليق بالرجال..!
حتى إذا ما رُزئتُ بفقد أخي.. ظللتُ أردد: ليت أني أراه لحظةً واحدة، لأبوح له بحبي وودي وإخائي..!
فكيف بي والأخ الذي ضننت عليه بأخوتي هو أنت..؟!
وكيف بالأعذار وهي ترتد إلي كليلة حسيرة، وتقول لي: ليت أنك بكرّت قليلا، فقد رحل من تعتذر إليه..!
" ( ليتَ ) .. وهل تنفع شيئًا ليتُ ..؟!"