ثم بدأ صوت بكائها يتعالى.. بل كان نشيجًا يهز صدرها الصغير هزًا..!!
قال لها بسرعة:
**".. ما بكِ يا بنت..؟!"
**".. تكلمي.. وإلا أنزلتكِ هُنا.. هيا تكلمي..!!"
**".. لقد.. لقد كنتُ أفكر في أمرٍ مخيف.. فأمي تقول لي إن ربي لا يُحب الأغاني.. وأنا أخشى أن ينفجر إطار السيارة فتنقلب.. فأموتُ والأغاني تصدح حولي.. فماذا سأقول لربي حينها ..؟!"
على طريق الجنوب.. توقفت سيارةٌ بشكل مُفاجئ.. ونزل منها شابٌ يحمل معه كيسًا بلاستيكيًا ممتلئًا.. أخذ يهوي بما فيه على الأرض.. ويطؤه بقدميه بانفعال.. ثم توقف..
ورفع رأسه إلى السماء.. وعيناه تُسبلان دمعًا سخينًا يغسل به أدران الماضي البئيس المقيت.. ثم هوى على الأرض ساجدًا..
وفي الخلف وقفتُ خلفه طفلةٌ صغيرةٌ كأنها فلقةُ قمر.. وهي تُناديه وتُصفق بيديها باستغراب:
"هل تُصلي التراويح في النهار..؟! .. هيا بنا.. فقد تأخرنا..!!"
منارة صدق.. على شواطئ ( مارسيليا ) ..
شيخٌ فانٍ.. قدمٌ في الدنيا، والأخرى في القبر..!
هكذا بدا لي حين رأيتُه البارحة.. وهذا ما تنطق به الأخاديدُ التي شقتها سنواتُ عمره التسعون على صفحات وجهه، وهي الصورةُ التي يختصرُها بياض عارضيه..
لكن الزمان والمكان يفقدان أبعادهما في قاموس ( الهمة العالية ) .. وتزول كل حواجزهما أمام تدفق الحماس، النابع من ( عقيدة ) لا يوهنُها كبرٌ ، ولا يعوقها مكان..
وبعد العشاء.. دعا الشيخُ الكبيرُ ( عبدالرحمن الماص ) بعصاه وكرسيه.. فجلس، وأحاط به أحفادُه وبعضُ الحاضرين.. كما يحيطُ الغمام بقمةٍ شامخة.. هي للغمام ملاذ، وهو للقمةٍ جمال..!
ثم طفق النصحُ والتوجيه ينساب من بين شفتيه انسيابَ الماء من فم السِقاء..
تارةً يجعله على هيئة قصة، وتارةً يُلبسه ثوبَ دُعابة.. وهو في ذلك كله يحدثنا بحروفٍ يكاد الصدق والحب يُطل من بين أصواتها..!