في صغره كان قائدَ عيال الحارة في كل شئ.. هو كابتن الفريق.. وهو العمدة.. وهو الآمر الناهي.. وطوته الأيام ليُصبح شابًا كبرت معه صفات طفولته.. فكان متصدرًا لرفقائه.. الذين كانوا معه كالجنود مع ضابطٍ صلد..!
وكان قائدًا لهم في تتبع الشهوات والنزوات.. ولا يسمع بواحدٍ منهم يفكر مجرد تفكير بالالتزام إلا وقف أمامه بلسانه السليط وشخصيته القوية هازئًا متهكمًا.. حتى يُعيده إلى الحظيرة.. أو يجعله عبرةً للمعتبرين..!
وأيسَِ أهلُه من صلاحه.. وماعادتوا يرجون منه سوى أن يكف عنهم شرَّه..!
حتى أتى اليوم الموعود..
كان أهلُه يريدون من الذهاب بهم إلى جنوب المملكة مع خالتهم ليصطافوا.. فوافق بشرطٍ: أن تكون ابنةُ خالته وحبيبةُ قلبه ( غ . ت ) معهم في السيارة..!
حُزمت الحقائب.. وشُدت الرحال.. واجتمعت العائلتان.. وابتهج ( ف . ف ) بالطفلة الأمورة التي سترافقه كل الطريق..!
كانت والدته على مقعد الراكب الأمامي.. و ( غ . ت ) بينهما.. وهي على عادتها.. تُمازح خالتها.. وتلعب هنا وهناك.. قد ملأت المكان بالشقاوة وعبث الأطفال..!
أخرج ( ف .ف ) من سيارته شريط مطربه المفضل.. فأدخله في المسجل.. وبدأ ت مزامير الشيطان تجلجل في جنبات السيارة وهي تشق الطريق شقًا..
وفجأة.. سكنتْ ( غ . ت ) في مكانها هادئة وادعة..!
حاول أن يستثيرها فلم يُفلح.. استفزها فما نفع.. توقف في عند محل التموين فاشترى بعض الحلوى.. فما أجدت الرشوة..!
وساد المكانَ جوٌ من الهدوء.. عدا تلك النغمات العابثة التي ينهق بها المطربُ المأفون..
قطع الصمت صوتُها وهي تهمهم وتتنهد.. وكأنها تحدث نفسها:
**"... والله إنها مشكلة ..!!"..
التفتَ إليها مستعجبًا.. وقال:
** مشكلة..؟!""
لم تُجبه.. بل يبدو أنها لم تسمعه.. فقد سرحت بخيالها بعيدًا.. وهي مطرقةٌ لا يكاد يُسمع لها نفَس..!
وساد المكانَ الصمتُ مرةً أخرى..