ومما ينبغي التنبيه عليه: أن علم الحديث ما انتشر في بلد، إلا قلَّتْ فيه البدع، وعكسه عكسه، وذلك أن علم الحديث عبارة عن ميزان وقواعد يُعْرف بها الصحيح من الضعيف، ومنشأ كثير من أهل البدع إنما هو من الأحاديث الضعيفة، والمنكرة، فإذا غربلت الأحاديث، وعُمل بالثابت منها دون الضعيف الساقط؛ صحت العقيدة، وسلمت العبادة، وزكت النفوس، وكسدت بضاعة المفاليس، وقد ألمح الحاكم النيسابوري رحمه الله [1] إلى هذا المعنى في بداية مقدمة كتابه"معرفة علوم الحديث"قائلًاَ:
"أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث..."إلخ.
وعلم الحديث: هو علم بقواعد يُعرف بها أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأفعاله، وأحواله، هذا هو الصحيح في تعريفه؛ خلافًا لمن قال: إنه علم يشتغل بذاته -صلى الله عليه وآله وسلم-!! إذِ الاشتغال بذاته صلى الله عليه وآله وسلم أمر يتصل بالطب، فلما كان علم الحديث يهتم بمعرفة أقواله صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وأحواله، وهو أمر شريف عظيم كان هذا العلم شريفًا عظيمًا، وتبوأ بذلك منزلًا كريمًا، لا يقوم به إلا أولو العزم من الرجال، وصدق من قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
(1) وقبله الإمام أحمد رحمه الله، فقد قال الحسن بن ثواب: قال لي أحمد بن حنبل:"ما أعلمُ الناسَ اليوم في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان، قلتُ: ولم؟ قال: ظهرت بدع؛ فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها".ا.هـ من"الآداب الشرعية"لابن مفلح رحمه الله (2/126) وانظر مقدمة"صحيح الترغيب والترهيب" (1/54) فقد صحح الشيخ الألباني رحمه الله بنحو هذا.