وكيف لا يكونون كذلك وهم قد جمعوا بين المعتقد الصحيح والذب عن الدين؟! فصفاء معتقداتهم ومشاربهم أمر واضح جلي في أئمة السلف المشتغلين بالحديث، وهذا بخلاف غيرهم ممن اشتغلوا بعلوم أخرى، فقد اشتغل بالفقه وغيره أناس كثيرون، ولم تسلم معتقدات كثير منهم، ولما كانت بضاعة أئمة الحديث مأخوذة من قول الله عزوجل، وحديث رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وآثار الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم؛ قلَّ أن تجد فيهم من زلت قدمه في باب العقيدة، بخلاف كثير من القراء، والفقهاء، والمؤرخين، واللغويين، وغيرهم، فقد زلت أقدام كثير منهم، فعلم الحديث فيه عصمة ونجاة لمن وفقه الله تعالى إليه، واعتصم بمنهج أئمته علمًًا، وعملًا، وحالًا.
وأهمية الاشتغال بعلوم الحديث فرع عن تصور مدى الحاجة إليها، ومعرفة من تتعلق به هذه العلوم، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالعلوم تنبل وتعظم في نفوس محصليها، بقدر حاجة الناس إليها، فإن العلم الذي لا يحتاج الناس إليه، لا يكون عظيمًا في النفوس، بخلاف ما يحتاجون إليه، فإنه يعظم في نفوسهم، ويجل قدره في أعينهم، ومن ثمَّ فينشطون فيه: جمعًا، وترتيبًا، وتهذيبًا، ورواية، ودراية، إلى غير ذلك.