فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 50""""""
العظيم ، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي ، فكيف بصلاح غيري ، وإن كان ما ذكرت حقًا فإني أدلك على طبيب ، هو ولي الكلوم الممرضة ، والأوجاع المرمضة ، ذلك الله رب العالمين ، فاقصديه على صدق المسألة ، فإني متشاغل عنك بقوله ، عز وجل: وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ، يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، والله يقضي بالحق ، فأين المهرب من هذه الآية ؟ ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على طريقه ، فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها ، فقالت: يا فتى لا ترجع ، فلا كان الملتقى بعد هذا أبدًا إلا بين يدي الله ، عز وجل . وبكت بكاءً كثيراُ ، ثم قالت: أسأل الله ، عز وجل . الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك . ثم تبعته فقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك ، وأوصني بوصية أعمل عليها فقال لها الفتى: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله عز وجل: وهو الذي يتوفاكم بالليل ، ويعلم ما جرحتم بالنهار . قال: فأطرقت ، وبكت بكاءً أشد من بكائها الأول ، ثم أفاقت ، فقالت: والله ما حملت أنثى ولا وضعت إنسًا كمثلك في مصري وأحيائي . وذكرت أبياتًا آخرها: لألبسَنّ لهذا الأمرِ مِدْرَعَةً ، . . . ولا ركنتُ إلى لذّاتِ دنُيايا . ثم لزمت بيتها فأخذت بالعبادة . قال: فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينيها ، فيقال لها: وهل يغني هذا شيئًا ؟ فتقول: وهل لي دواء غيره ؟ وكان إذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها ، فإذا صلت قالت: يا وَارِثَ الأرْض هبْ لي منك مغفِرَةً ، . . . وحلّ عني هوى ذا الهاجِرِ الدّاني . وانظُرْ إلى خَلّتي ، يا مُشتَكى حَزَني ، . . . بنَظرَةٍ منك تجلو كلَّ أحزَاني .