فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 649

""""""صفحة رقم 59""""""

حدثني مشيخة من خزاعة أنه كان عندهم بالطائف جارية متعبدة ذات يسار وورع ، وكانت لها أم أشد عبادةً منها ، وكانت مشهورة بالعبادة ، وكانتا قليلتي المخالطة للناس ، وكانت لهما بضاعة مع رجل من أهل الطائف ، فكان يبضعها لهما ، فما رزقهن الله من شيء أتاهن به . قال: وبعث يومًا ابنه ، وكان فتىً جميلًا مسرفًا على نفسه ، إليهن ببعض حوائجهن ، فقرع الباب ، فقالت أمها: من هذا ؟ قال: أنا ابن فلان . قالت: ادخل فدخل وابنتها في بيتٍ ، ولم تعلم بدخول الفتى ، فلما قعد معها خرجت ابنتها ، وهي تظن أنها بعض نسائهن حتى جلست بين يديه ، فلما نظرت إليه قامت مبادرةً فخرجت ، ونظر إليها فإذا هي من أجمل العرب . قال: ووقع حبها في قلبه . فخرج من عندها ، وما يدري أين يسلك ، فأتى أباه ، فأخبره برسالتهن ، وجعل الفتى ينحل ويذوب جسمه ، وتغير عما كان عليه ، ولزم الوحدة والفكر ، وجعل الناس يظنون أن الذي به من عبادة قد لزمها ، حتى سقط على فراشه . فلما رآه أبوه على تلك الحال دعا له الأطباء والمعالجين ، فجعلوا ينظرون إليه ، فكل يصف به دواء ، ويقول: به داء لا يقوله صاحبه ، والفتى مع ذلك ساكت لا يتكلم ، حتى إذا طالت علته واشتد عليه الأمر دعا أبوه فتيانًا من الحي ، وإخوانه الذين كانوا له أنسًا ، فقال لهم: اخلوا به وسلوه عن علته لعله يخبركم ببعض ما يجده ، فأتوه فكلموه وسألوه ، فقال: والله ما بي علة أعرفها فأبينها لكم ، وأخبركم بما أجد منها ، فأقلوا الكلام . وكان الفتى فطنًا ذا عقل ، فلما طال به الوجد دعا امرأة من بعض أهله فخلا بها ، وقال: إني ملق إليك حديثًا ما ألقيته إليك إلا عند الإياس من نفسي ، فإن ضمنت لي كتمانه أخبرتك وإلا صبرت حتى يحكم الله في أمري ما يحب ، وبعد ، فوالله ما أخبرت به أحدًا قبلك ، ولئن كتمت علي لا أخبر به أحدًا بعدك ، وإن هذا البلاء الذي أرى بي لا شك قاتلي وإنه يجب علي في محبتي له أن أكون لمن أحب صائنًا وعليه مشفقًا من تزيد الناس وإكثارهم حتى يصير الصغير كبيرًا ، والكبير عندهم الباقي ذكره أبدًا ، الله الله في أمري ، واجعليه محرزًا في صدرك فإن فعلت فلك حسن المكافأة ، وإن أبيت فالله يحسن لك الشكر . فقالت له المرأة: قل يا بني ما بدا لك ، فوالله ما أجد في الدنيا أحدًا أحب بقاءه غيرك ، وكيف لي أن يكون عندي بعض دوائك ، فوالله لأكتمن أمرك ما بقيت أيام الدنيا . فقال لها: إن من قصتي كذا وكذا فقالت له: يا بني أفلا أخبرتنا ، فوالله ما رأيت كلمةً أسكن بمجامع القلب فلا تفارقه أبدًا ، من كلمة: محب عاشق أخبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت