فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 60""""""
من يحبه أنه له وامق ، فتلك الكلمة تزرع في قلوب ذوي الألباب شجرًا لا تدرك أصوله . فقال لها: ومن لي بها ، وكيف السبيل إليها وقد بلغك حالها وقصتها وشدة اجتهادها وعبادتها ؟ قالت له: يا بني علي أن آتيك بما تسر به . قال: فلبست ثوبها وأتت منزل الجارية ، فدخلت فسلمت على أمها وحادثتها ساعةً . فسألتها أمها عن حاله وعن وجعه ، فقالت: والله لقد رأيت الأوجاع والآلام ، فما رأيت وجعًا قط كوجعه ، وإن وجعه يزيد في كل يوم ، وألمه يترقى ، وهو في ذلك صابر غير شاك لا يفقد من جوارحه شيئًا ، ولا من عقله . فقالت أمها: أفلا تدعون له الأطباء ؟ قالت: بلى ، والله فما وقع أحد منهم على دائه ، ولا يفقه دواءه . ثم قامت فدخلت على الجارية في بيتها الذي كانت تتعبد فيه ، فسلمت عليها ، وحادثتها ساعةً ، وقد كان وقع إلى الجارية خبره ، فعلمت أن ذلك من أجلها ، فقالت لها المرأة: يا بنية أبليت شبابك وأفنيت أيامك على هذه الحال التي أنت عليها . قالت: يا عمتاه أية حال سوء تريني عليها قالت لا يا بنية ولكن مثلك يفرح في الدنيا ويلذ فيها ببعض ما أحل الله عز وجل لك ، غير تاركة لطاعة ربك ولا مفارقة لخدمته ، فيجمع الله لك بذلك الدارين جميعًا ، فوالله ما حرم الله ، عز وجل ، على عباده ما أحل لهم . فقالت: يا عمتاه ، أو هذه الدار دار بقاء لا انقطاع لها ولا فناء فتكون الجوارح قد وثقت بذلك ، فتجعل لله تعالى منظر هممها ، وللدنيا شطرها ، فتعد الجوارح إذًا التعب راحةً والكد سلامةً ، أم هذه الدار دار فناءً وتلك دار بقاءٍ ومكافأة ، والعمل على حسب ذلك . قالت: يا بنية لا ولكن الدنيا دار فناء وانقطاع وليست بباقية على أحد ، ولا دائمة له ، ولكن قد جعل الله تعالى لعباده فيها ساعات صدقة منه على النفوس ، تنال فيها ما أحل لها من مخافة الشدة عليها . فقالت الجارية: صدقت يا عمتاه ، ولكن لله عباد قد علموا وصح في هممهم شيء من ذخر ذخروه عنده ، فجعلوا هذا الشكر الذي جعله ذخيرة عنده ، إذ لم تكن الدنيا كاملة لهم ، ولا هم متنقصون شيئًا قدموه لأنفسهم ، وسكنت نفوسهم ورضيت منهم بالصبر على الطاعة لتنال جملة الكرامة ، وإن كلامك ليدلني على أن تحته علةً ، وهو الذي حملك على مناظرتك لي على مثل هذا ، وقد كنت أظن قبل اليوم فيك أنك تأمرين بالحرص على طاعة الله ، عز وجل ، والخدمة له ، والتقرب إليه بالأعمال الزكية التي تبلغ رضاه وترفع عنده فقد أصبحت متغيرة عن ذلك العهد الذي كنت أعهدك عليه ، فأخبريني بما عندك وأوضحي لي ما في نفسك ، فإن يكن