فهرس الكتاب
بيد أن الأمم التى دخلت في الإسلام، والمعارف الكثيرة التى سبقت هذا الدين، وصبغت أفكار الناس ومشاعرهم بألوان شتى كان ذلك كان له تأثير غريب على طريقة تعليم العقائد وأسلوب عرضها والاستدلال عليها وتدقيق النظر فيها والمواءمة بينها وبين ما يعجب من الآراء الدخيلة.!
وقد تأثر علم الكلام -علم العقائد الإسلامية- تأثرا خطيرا بالفلسفة الإغريقية واشتبكت مسائله بمسائلها اشتباكا كان وخيم العاقبة على الثقافة الإسلامية، والجماعة الإسلامية ..
فادا الناحية الإنسانية للعقيدة تذبل وتنكمش، ثم تستخفى .
وإذا الناحية الإلهية تتعقد بعد بساطة، وتتوعر بعد سهولة، وتصاغ في قوالب من منطق أرسطو، بعدما انضاف إلى مادتها الأصلية خلط كثير من الفروض المحتملة، والأنظار الرديئة جعلت موضوع العقيدة أقرب إلى العنوان الذى اصطلح
ص _120
الأقدمون على تسمية علمها به، أى: الكلام !!
وكأن الأقدار أجرت هذا الاصطلاح على ألسنة القوم، ليكود رمزًا ساخرًا على ما آل إليه تدريس العقائد، وإرساء دعائمها في القلوب!!
لقد صار الأمر كله كلاما في كلام، أو أحلاما ينتقل في أوديتها النيام..
وجمهور المحققين يرى أن هذا العلم بصورته الأخيرة، وكتبه القائمة، أبعد شئ عن تعلم الإيمان، وشرح الأفئدة ببشاشته، وربما أفاد المشتغلين به مهارة في الجدل، وبسطة في النقاش، ودربة على ترتيب المقدمات، واستخلاص النتائج .
بيد أن دراسة الإيمان ومتعلقاته لا تتحمل الشقشقة، وتقليب الأنظار، في مباحث أدنى إلى الوهم منها إلى الحق.
وقد خامرنى الأسى- من بضع سنين- وأنا ألمح بين العوام بقايا الانحرافات الذهنية في تصور العقائد وتلقى معارفها.
فقد اشتبك بعض البوابين والبقالين في أحد مجالس العلم حول تفسير استواء الرحمن على عرشه ! وبذلت جهدى في إطفاء هذا الحوار السخيف، وطالبت الحاضرين ألا يقفوا عند هذه الآيات وأشباهها وقفة استقصاء وتعمق، فذاك ما لا طائل تحته .