فهرس الكتاب
والآفة الملحوظة في شتى الصور هى: الأثرة، واحتباس الفرد داخل إحساسه بنفسه وحدها، وهو إحساس تحده من جهاته الأربع المطالب الدنيا، وهذا الإحساس يمتد رغبا أو ينكمش رهبًا وفق ظروف خارجة عن الإرادة .
إذ أن السلبية شيمة الجماعات المتخلفة، فهى تسكن، أو تضرب مع صحو الجو، أو غيمه ، دون أن يكون لها اثر ما فى"تكييف"الجو الذى تحيا به.
فى الأرياف كنت أرى الناس يعيشون في قماقم من القصور والبلاهة ،
ص _134
يصحبهما عمق- ولا أقول ذكاء- في طلب ما يحتاجون، والرجال والنساء يجمعهم خطأ التصور لمعنى الحياة، ولديهم مجموعات من الأحكام الخاطئة في شئون الدين والدنيا..
والنفس الإنسانية لا تحسن إدراك ما حولها إلا بعلوم ومعارف كثيرة، تجيئها من خارج، وهى- دون عون خارجى- تعرف كيف تطلب الأكل،: كيف تسعى إلى الجنس الآخر، وكيف تصون وجودها الحيوانى ، بل كيف تشبع أحيانًا كثيرة غريزة الاستعلاء والظهور!!
وفى البيئات المتخلفة، يدور جل النشاط الإنسانى على هذه المشاعر البدائية، دون هيمنة، وإن وجد الدين!!
ولن يخطئنا- للنظرة الأولى- أن نرى جماهير الفلاحين والأعراب، يديرون مجتمعاتهم على هذا المحور التافه، وليس الصراع على ضرورات العيشة هو الذى يصبغ علاقاتهم- مع الضنك الواقع بهم- وإنما هو الصراع على ما يسميه علماء النفس"الشعور الإيجابى بالذات".
فالغيبة التى تفشو في مجالسهم، والخصومات التى ترخص دماءهم، والعادات التى ترهق أعصابهم، وتريق أموالهم، تلك جميعا مظاهر لعلة واحدة. رغبة النفس في إثبات وجودها في نطاق الأساليب التى يمليها ضعف المعرفة، وخطأ الحكم..
وبدهى أن ذلك لن يتجاوز نطاق الأثرة المضروبة على صائر التصرفات الشخصية !
وإنك لترى المرأة في الريف تربى ولدها اليتيم، وتظل السنين الطويلة تعلمه من قتل أباه، وتلهب جذوة الحقد في فؤاده، ليستطيع يومًا أن يثأر لزوجها الذاهب .