فهرس الكتاب
لقد غلبنى الوجوم وأنا أقرأ في كتاب"جزيرة العرب تتهم حكامها"كيف أن الخلاف المذهبى في هذه الأقطار قطع مسلميها أمما، ومزقهم إربا والتعصب المذهبى في أغلب أحواله يقوم على النفاق العلمى، أعنى على تسخير العلم في خدمة الأهواء. إذ ليس من المعقول أن يتعادى المسلمون الأتقياء على مسائل فرعية في دينهم فذلك ينافى الإسلام، وينافى التقوى، وينافى طبيعة العلم ذاته. ولكن الشهوات الدنيا إذا استبدت بالنفوس لم تبال بامتداد ضرامها إلى الأصول والفروع معا، فهى تديرها جميعا في مجالها، وتحولها عن الصراط المستقيم. والباحث المحايد ـ ولو لم يدن بالإسلام ـ يدهشه هذا الولع بالاختلاف على الصغائر، وهذا التطرف في إعطائها فوق ما تستحق من اهتمام، وهذا التهور في تحقير شخص أو تفنيد رأى! مع اتفاق الجميع على أن أركان الإيمان فوق هذا الجدل كله، وأن المسلم يبقى له أصل دينه، وتسلم له جميع حرماته، مهما اعتنق من مذاهب الفقه والسياسة!! وقد خمدت في بلادنا ريح الخلاف المذهبى في فروع الفقه لا لأن الألباب استنارت بسعة العلم وبعد النظر. بل لأن التيار الغربى زلزل الثقة في قيمة التراث الدينى على العموم. ونحن إذ نعيد بناء أمتنا نقسم جهدنا قسمين: قسما نرد به معاول الاستعمار عن نقض ما نؤسس لهذا الإسلام الحنيف. وقسما نزيح به عقابيل الماضى عن طريق المستقبل، ونكنس الأوهام والخرافات التى أفسدت الأجيال المتأخرة، وهى أمور ما أنزل الله بها من سلطان وإن لبست رداء العلم والدين . ص _183