فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 195

والحديث صحيح ، ولم يفهم منه جمهور الفقهاء ولا جمهور العقلاء إلا شيئا واحدا: إن التهالك على الحطام الفانى لا ينبغى، وأن نسيان المثل العليا وراء المآرب ليس شيمة المؤمنين، وأن أهل التقى والهدى والعفاف لا يجعلون للمال سلطانا على ضمائرهم ، ولا لأمانى الحياة الحلوة مدخلا إلى نيابتهم وأهدافهم . * * * ومنذ أيام كتبت إحدى السيدات تشكو من سطوة المال على الأرواح، ومن سيطرته المنكرة على الأخلاق والأعمال فقالت:"إن المجتمع بأسره يشترك في وضع القيم الخلقية التى تنظم حياتنا الاجتماعية ولكن القيمة العليا التى توجناها"ملكة"على سائر القيم هى"المال". المال يتحكم فيها ويتسلط على العلم وعلى الكفاءة والصداقة والجمال . بالمال نقيس مكانة الأشخاص، ونزن مروءة الأفراد، قد نشيد في دروس الوعظ، وكتب الأخلاق، بالأمانة والرحمة، والصداقة والجمال، ولكن أفعالنا الواقعية تعلن دائما أن غاية الغايات هى المال! وفى سبيله تهدر الأمانة، وتوأد الصداقة، ويصلب العلم، وتهتك الأعراض، وتقدم النفوس قربانا لصنم المال ! واختلط الأمر.. واعتبرنا المال قيمة، بدل أن نعتبره وسيلة لتحقيق القيم العليا.. فالقطن يزرعه الفلاح، والسمك يصيده الصياد، والذهب يستخرجه العامل، والمنتجات يبتكرها الفنان. ليست كل هذه هى القيم، وإنما القيم هى في كد الفلاح"و"مجهود الصياد"و"مهارة العامل"و"تفكير العالم"و"حساسية الفنان..". * * * الشطط في إعطاء المال فوق قدره إذن ما يكره الدين، ويرفضه العقلاء . وما فهم إنسان له رأى أن المال يحتقر لذاته، وأن حقيقة التقوى لا تكتمل إلا بفقدانه، ومع ذلك فقد عاشت بين المسلمين تعاليم الزهد في المال وفى جمعه، حتى أصبحوا أعداء له، سواء أكان وسيلة أم غاية، وسمعنا في حكم المتصوف: ص _204

إذا أقبل الفقر فقل: مرحبا بشعار الصالحين، وإذا أقبل الغنى فقل: ذنب عجلت عقوبته"!!."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت