فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 195

والمرء قد يضجر عن دسائس البيئات العلمية- خصوصا المشتعلة بالدين-و يؤثر الفرار إلى شغف الجبال، ومعاشرة رعاة الغنم، بيد أن هذا الهرب إذا قبل من فرد منهزم أو معتزل، فلا يجوز وصفه بأنه دين الله، أو الدين كله،؟ لا يجوز أبدأ أن تتسع دائرته حتى تشتمل الأمة كلها. إذ معنى ذلك بداهة خراب المجتمع، وانهيار الحياة العامة، وسقوط الرسالة التى تحملها الأمة، وتكلف بالعمال لها ونصرتها، والدعوة إليها، والدفاع عنها..

على أن هذه الأفكار المعلولة التى أفرخت بين أهل الطرق الصوفية فشت فشوا منكرا بين جماهير المسلمين، وغاض ما كان يصحبها قديما من خير، وربا ما انطوت عليه من خطر وضرر.

فإذا المسلمون في القرون الأخيرة مصرفو الهمة عن شئون وأعمال الحياة يفكرون فيها بانكسار وبلادة!.

وقلما ينهضون إليها إلا لضرورات العيش الملحة!

وقلما يفكرون فها بالركبة التى تفتق الحيلة، والوثبة التى تستكشف المجهول.!

وفلسفة التصوف هذه دخيلة على الإسلام، وهى تخالف طبيعة الحياة ؟ شرحها الله في كتابه ، وتخالف طبيعة الإسلام التى تتألق في نصوصه،: في سيرة السلف

ص _047

الصالحين .. !

"إن الله لما أهبط آدم إلى الأرض، واستعمر ذريته فيها، لم يقصد إلى أهانتهم أو وضع مكانتهم، و لم يؤخر منزلتهم بين أجناس الخلق الأخرى بل الأمر على العكس ."

فقد شاء الله عز وجل أن يجعل الإنسان سيدا في هذا العالم و أراد أن تشترك عناصر الكون كلها أو جلها في خدمته وتيسير رغائبه.

(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)

(ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون)

ونلاحظ أن هذا التمكين حقق للإنسان مكاسب كثيرة، فهو لم يكفل ضروراته فحسب، بل بذل له- المتع المرفهة واعترف بأشواقه إلى اللذائذ المعنوية وأنواع الزينة والتجمل وأنظر إلى قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت