فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 195

والواقع أن أمراء المسلمين- بدافع من سماحة الإسلام ، وبره بأهل الكتاب- كانوا يولونهم المناصب الكبيرة، بيد أن هؤلاء كانوا يردون الجميل بطرًا وغدرًا، مما أحنق علماء المسلمين، ودفعهم إلى استنكار هذه السياسة . ولقى رجل سليمان بن عبد الملك فقال له:"سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن- تأدية لحق الله تعالى-: إنه قد أكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم ،ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله، و لم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأتمنهم على ما ائتمنك الله عليه ."فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت ، فلا تصلح دنياهم بفساد أخرتك ، فإن أعظم الناس عند الله غبنًا من باع أخرته بدنيا غيره". وكان العلماء يرون أنفسهم مسئولين عن تذكير الملوك، يدل على ذلك قول شعيب بن حرب:"بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد، فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهى، فقالت لي: لا تفعل، فإن هذا رجل جبار، ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت لنفسي: لابد من ذلك، فلما دنا منى صحت: يا هارون! قد أتعبت الأمة، وأتعبت البهائم فقال: خذوه! فأدخلت وهو على كرسي وبيده عمود يلعب به. فقال: ممن الرجل؟ قلت: من أفناء الناس، فقال: ممن!؟ ثكلتك أمك، قلت: من الأنباء، قال: فما حملك على أن تدعوني باسمي؟؟ قاد شعيب! فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال أن فقلت له: أنا أدعو الله باسمه فأقول: يا الله،يا رحمن، وما أدعوك باسمك؟ وما تنكر من دعائي لك باسمك؟ وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب الخلق إليه محمدا صلى الله عليه وسلم، وكنى أبغض الخلق أبا لهب فقال: (تبت يدا أبي لهب) . فقال هارون: أخرجوه ص _087

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت