هذا الحديث استغله مروجو إحياء المشاهد، فقال عبيدون في الدر المنضود (1) : ومع ذلك فإن النبي في حادثة الإسراء والمعراج قد عرفهم، ووصف لهم قبر سيدنا موسى عليه السلام، وقال: «لو كنت هناك لأريتكم إياه» هو بنفسه عليه الصلاة والسلام يتولى تعريفهم بهذا الموطن المقدس المبارك من أجل ماذا؟! من أجل إقامة الصلات والروابط بين المؤمنين وأنبيائهم، والتأدب معهم وسلوك طريقتهم وزيارتهم في حياتهم وبعد مماتهم، وهو مقصد سامٍ سعت إليه شريعتنا، له أثر بين على القلوب، فالمرء يوم القيامة مع من أحب. كذا قال، وكذب فيما قال، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ما عرفهم موضع القبر وإنما أشار إلى معرفته بذلك، ولو كان فيه مصلحة للأمة لما تركه بذلك الإبهام، ولو كانت الإشارة إليه تعريفًا من النبي صلى الله عليه وسلم له وحثًا على زيارة ذلك القبر وإحيائه لما غفل عنه الصحابة ولما أغفلوه.
إن الواقع أن ما ذكره ذلك المتعالم الجاهل لم يخطر على بال الصحابة، ولذلك لم يثبت أن أحدًا منهم جاء يبحث عن القبر مع مرورهم بتلك النواحي غزاة ومجاهدين وتجارًا ومسافرين لأغراض شتى، فلا يليق بهم أبدًا أن يفهموا حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأن لذلك مقصدًا ساميًا سعت إليه الشريعة، ثم لم يعملوا على تحقيقه!! حاشاهم من ذلك!! وهو - كذلك - لم يخطر على بال العلماء الذين شرحوا ذلك الحديث:
فهذا النووي -رحمه الله- يقول في شرح مسلم: «قال بعض العلماء: وإنما سأل الإدناء ولم يسأل بيت المقدس، لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس» (2) ، وقال الحافظ في الفتح: «لكن حكى ابن بطال عن غيره أن الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليعمي موضع قبره، لئلا تعبده الجهال من أمته» انتهى (3) ، ففهم العلماء على العكس تمامًا لفهم هؤلاء مرضى القلوب!.
المبحث الثالث: تعامل الصحابة مع ما عرف من قبور الأنبياء:
(1) ص:21).
(2) ج:15- ص:128).
(3) ج:3- ص:207).