هذه هي الأحاديث التي في هذا الباب، وقد اختلف العلماء المتأخرون في تأويلها، وفيما تدل عليه، وذكر ذلك الاختلاف النووي في شرح مسلم، وابن حجر في فتح الباري وغيرهما، وأوسع من رأيته تناول هذا البحث العلامة صديق حسن خان في شرحه (السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج) فقد استغرق بحثه أربعًا وثلاثين صفحة من الحجم الكبير من ص 84 - 117 من الجزء الخامس من طبعة قطر، وبعد إيراد مختلف الأقوال ومناقشتها قال: (وأما السفر لغير زيارة القبور كما تقدم نظائره، فقد ثبت ذلك بأدلة صحيحة ووقع في عصره صلى الله عليه وسلم وقرره النبي -عليه السلام- فلا سبيل إلى المنع منه والنهي عنه، بخلاف السفر إلى زيارة القبر، فإنه لم يقع في زمنه صلى الله عليه وسلم ، ولم يقرَّ عليه أحدًا من أصحابه، ولم يشر في حديث واحد إلى فعله واختياره، ولم يشرعه لأحد من أمته لا قولًا ولا فعلًا) (1) .
(وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور أهل البقيع وغيرهم من غير سفر ولا رحلة إلى قبورهم لتذكر الآخرة، وهي رخصة مشروعة، بل مندوبة مستحبة، بل سنة واجبة إلى يوم القيامة لمن يحب الدار الآخرة، ويتمسك بالسنة المطهرة، لكن لا بإيثار السفر، واختيار الرحلة إلى الشقة البعيدة) (2) . ثم ذكر ما أفضى به السفر لزيارة القبور من أفعال شركية وبدعية، ثم قال: «وحاصل الكلام وجملة المرام في هذا المقام: أن مسألة السفر لزيارة القبور (أي قبر كان) أقل درجاتها: أن تكون من المشتبهات، والمؤمنون وقافون عند الشبهات، لكن من شد الرحل وأعمل المطي إلى مسجد المدينة ونزل بها، فقد سن له أو وجب أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يترك هذه الفضيلة، وبهذا يخرج من مزالق أفهام العلماء، وسباب الفقهاء، واعتراض السفهاء، ويحصل بذلك نوع من الجمع بين مختلف الروايات.
(1) السراج الوهاج (ص:113) .
(2) السراج الوهاج (ص:113) .