المبحث الثاني:-
تجربة الغزالي حتى وصوله لليقين.
يروي لنا الغزالي في المنقذ من الضلال تجربته من الشك إلى اليقين"فهو منذ ريعان عمره وحتى قبل بلوغ العشرين وحتى الخمسين يقتحم لجة كل العلوم النظرية والعملية بحثًا عن اليقين هذا الذي طال جميع أصناف الطالبين في أيامه، الباطنية، والفلسفة، وعلم الكلام، والصوفية وحتى الزنادقة لم يغربوا عن باله، وكان في ذلك متعطشًا لدرك حقائق الأمور"غريزةً وفطرةً وضعن في جبلته لا باختياره ولا جبلته"فانحلت عنه أولًا رابطة التقليد، وانكسرت عليه العقائد المورثة، وتحرك باطنه إلى طلب الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة لتقليد الوالدين والأستاذين؛ ومن هنا فإن تركيز الغزالي على أن باطنه قد تحرك يعني انه حدد معيارًا نفسيًا، وداخليًا لطلب الحق، حيث تسكن النفس إلى ما تعتقد"وينكشف لها العلوم انكشافًا لا يبقى مع ريب ولا يقارنه، إمكان الغلط، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك [1] "."
بدأ الغزالي رحمه الله بحثه عن اليقين:-"أولًا بتفحص المحسوسات، فلم يأمن لها، ومن أين ذلك"وأقواها حاسة البصر، وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفًا غير متحرك ... ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة، تعرف أنه متحرك ..."ثم انتقل إلى الضروريات العقلية وتفحصها وخلص إلى أن لا أمان معها،"فبم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات، وقد واثقًا بي، فجاء حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي، فلعلَّ وراء إدراك العقل حاكمًا آخر، إذا تجلَّى كذّب العقل في حكمه، كما تجلَّى حاكم العقل فكذّب الحس في حكمه". وتوقفت النفس هنا وأخذت تؤيد أقوالها هذه بحالة المنام، فأنت ترى في المنام ما تظنه صحيحًا، ثم بعد أن تستيقظ تعلم أن لا أصل لجميع متخيلاتك ومناماتك. وقد يكون الأمر كذلك في أحلام اليقظة،"وقد تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نومًا بالإضافة إليها ... ولعلّ تلك الحالة ما يدّعيها الصوفية أنها حالتهم". أو كقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"الناس نيامٌ إذا ماتوا انتبهوا" [2] فلعل"
(1) - المنقذ من الضلال 21 مقدمة.
(2) - قال في إحدى النسخ: ليس بحديث ولكن من كلام على بن أبى طالب رضي الله عنه.