الصفحة 8 من 34

حياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة. فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن، ويقال له عند ذلك: (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [1] .

وهكذا بلغت الشكوك قمتها، ودام الأمر كذلك مدة شهرين حتى أُعضِلَ هذا الداء ولم يتيسر علاجه بنصب الأدلة. حتى شفى الله من هذا المرض، بنور قذفه في الصدر، أعاد الضروريات العقلية مقبولة، موثوقًا بها على أمن ويقين.

وهكذا تحدد معيار اليقين عند الغزالي بنور إلهي، هو مفتاح أكثر المعارف عقلية كانت أم روحية أم تجريبية. إنها معيارية نفسية دلالتها سكون النفس وانكشاف الغطاء وتثبيت العقل.

ويبدأ بتصنيف الطالبين:-

بعد خروجه من حال الشك، وانطلاقًا مما حصله من معيار لليقين، انحصرت عند الغزالي أصناف الطالبين في أربع فرق:

أ - علم الكلام:

بدأ الغزالي بدراسة علم الكلام، وصنَّف فيه مؤلفات، ووجده في نهاية الأمر"علمًا وافيًا بمقصوده هو غير وافٍ بمقصودي أنا". لقد ألقى الله إلى عباده على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - عقيدة هي الحق، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار. ثم لهج بعض المبتدعة أمورًا مخالفة للسنّة وكادوا يشوشون العقيدة على أهلها، فندب الله لهم طائفة من المتكلمين للذب عن العقيدة بكلام مرتب.

ب - الفلسفة:

وبعد الفراغ من علم الكلام، ابتدأ الغزالي بعلم الفلسفة وحصَّل فيه أقوالهم وبراهينهم، حتى فاقهم في فهم ما قالوه،"فلا يقف على فساد علم من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في ذلك العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة. وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساد حقًا".

(1) - سورة: ق 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت