فهرس الكتاب
الشديد للباطل إلى التعصب الشديد للحق؟ إن مسافة الخلف بين العرب في جاهليتهم والعرب بعد إسلامهم بعيدة بعيدة.. كيف طويت هذه المسافة مع انعدام وسائل الإعلام الحديثة وطول المشقة بين القلوب والأفكار؟ ص _120
إن الشيوعية في عصرنا مع استعانتها بأحدث ما وصل إليه العلم لم تستطع بعد خمس وستين سنة أن تستقر في أرضها إلا بالأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية لأن جو الحرية قاتلها يقينا.. أما العرب فإن الإسلام غيرهم في فترة قصيرة، ثم غيروا العالم بعد ذلك تغييرا جذريا ولم تكن لهذا التحول الشامل أداة إلا الأسوة الحسنة. قال مالك بن أنس: بلغنى أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضى الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين. والواقع أن الإجهاز على الاستعمار الرومانى ومحو مظالمه وظلماته ما كان يقدر عليهما أبدا إلا هذا الجيل الذى رباه محمد عليه الصلاة والسلام، إن القوتين النفسية والعقلية على المحو والإثبات انتقلتا من صاحب الرسالة العظمى إلى الرجال الذين تبعوه، فإذا هم يغسلون الأرض من أدرانها لتنشأ عليها أمم من طراز جديد. وقد روى الشيخان حديثا يضرب المثل لهذه القدرة الفائقة، فعن أبى سعيد الخدرى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس - فيقال لهم - فيكم من صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم". والحوار كما قلنا من باب التمثيل، لإبراز القدرات العارمة على التغييرين الاجتماعى والسياسى اللذين انتقلا إلى الصحابة والتابعين من حامل الرسالة الخاتمة، هذا النبى الذى دفع القرون أمامه بعدما نفخ فيها من روحه، فإذا اليابس يخضر، والكدر يصفو، وإذا تراثه في أوائل القرن الخامس عشر لا يزال - من