فهرس الكتاب
حفظه وتبليغه إلى آخر الدهر. ولعل ذلك كان السر في تماسك المسلمين أمام العداوات المرة التى ووجهوا بها في كل مكان، كأن شياطين الأنس والجن تقاسمت ألا يرفع للإسلام علم، وألا ينتظم له صف. ص _119
أهل الكتاب من يهود ونصارى لا يكتمون سخطهم على الدين الجديد وتبرمهم بعقائده وسعيهم في تخريب مساجده! ولقد رأيتهم إلى يوم الناس هذا تربد وجوههم عند سماع الأذان، وتضيق بهم الأرض. ماذا يريدون؟ إننا لن ندع تكبير الله وتوحيده والإقرار بالجميل للنبى الذى عرفنا هذه الحقائق. وقد سجل القرآن الكريم مشاعر القوم، ونبهنا إلى ما يجب بإزائها عندما قال: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) . وأما الكافرون وراء دائرة الكتابيين ففى ضلال وسعر، لا يهادنون الإسلام ولا تبرد لهم خصومة، هم كما قال الله: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) . في وجه هذه المقاومات العنيدة نشأ الإسلام، نشأ يقيم الصلوات ويختمها بإفشاء السلام يمنة ويسرة، ونشأ يعود أتباعه على إلقاء السلام في المجالس والطرقات، لأن السلام تحية المسلمين على امتداد الزمان والمكان. ومشت قافلة الإسلام بخصائصها النفسية والاجتماعية، متغلبة على أنواع الحصار التى فرضت عليها، ومجتذبة بعظمة قائدها كل من في قلبه بقية من خير أو شرف، ومتخطية أحقاد الأعداء فما وضعت السيف إلا حيث لا يجدى الندى ولا ينجع وئام. وها هى ذى بعد ثلاث وعشرين سنة تحج البيت العتيق بعدما طهرت جوانبه من الأصنام، وتنصت إلى قائدها الجليل وهو يخطبها في حجة الوداع يزودها بنصائحه ويعلن انتهاء الجاهلية وتقاليدها البالية.. ويطرق آذانها هذا الخبر الإلهى الذى له ما بعده: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) . كيف تم في هذه الفترة الوجيزة نقل أمة من التعصب