فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 247

ترى فيهم إلا مجاهدا يهوى التضحية، أو فقيها يهوى المعرفة، أو ناسكا تزينه التقوى أو شهيدا يعلم الناس الكبرياء على الدنيا وأهوائها. سبحان الله، من صب هذه النفوس في قوالبها الجديدة؟ ثم نشرها نشرا في آفاق الدنيا لتسمع الناس الأذان من انفلاق الصبح إلى ما بعد الغروب. إنه الإنسان المصطفى الذى اكتنفته الأحزان والمتاعب منذ قيل له: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) . إلى أن تنزل عليه بعد ثلاث وعشرين سنة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) . كان كل يوم من هذه السنين الطوال عمرا كاملا من أعمار الآخرين لما حفل به من شئون وشجون. في قراءاتى لسير الأنبياء قررت أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعبد الأولين والآخرين وشرحت ـ في كتبى ـ كيف أن أديم الأرض لم يشهد مثله تاليا للوحى، قواما به آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه! ولم يشهد مثله ساجدا يستشعر أمجاد الألوهية ويحيى ربه بفنون ناضرة من التسبيح والتحميد، ولم يشهد مثله منتصبا في ميادين الجهاد كادحا لإعلاء كلمة الله، مخليا الطريق من الجبابرة والفتانين. من حب الله والتحاب فيه بدأت قافلة الإسلام مسيرتها، بدأت أفرادا يعدون على أصابع اليد الواحدة، ثم أخذت تنمو ببطء شديد لكنه مطرد موصول الأواصر التى تشدها وتنبع من فؤاد صاحب الرسالة المفعم بالشوق والصدق والتسامى، ولقد عرف خصوم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك، واعترفوا بأنه ليس في الدنيا أحد يحبه صحبه كما يحب أصحاب محمد محمدا. أين ذلك مما رواه الإنجيليون أن بطرس في إحدى المحن التى مرت بعيسى بن مريم قبض عليه رجال الشرطة، وسألوه عن صلته بعيسى فغلبه الخوف على حياته وأنكر أنه يعرفه، بل أن يؤمن به. في هذه البيئة الصخرية البالغة الجفاف كانت مشاعر الود والإيثار وافتداء الغير ـ لله وحده ـ ومن أجل دينه تنفجر من نبى الإسلام وتضع الأسس لبناء الأمة الأمينة على وحى الله، المسئولة عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت