فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 247

اليوم أكملت لكم دينكم في يوم عرفة من السنة العاشرة للهجرة كان أكثر من مائة ألف مسلم يحجون مع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحجة التى عرفت في التاريخ بحجة الوداع! وأنصت الأصحاب إلى خواتيم الوحى الذى وصل جزيرة العرب بالملأ الأعلى وهى تنهى إليهم هذا النبأ المثير: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) . لقد تمت الرسالة التى بدأت آياتها تتنزل من ثلاث وعشرين سنة! نعم، فعلى بعد عشرين ميلا من عرفة، كان الوحى يرف على غار حراء ببواكيره الندية، يقول للرسول الخاتم: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) . لقد قرأ وقرأ وظل يقرأ ويقرأ، وها هو ذا اليوم يسمع أن الختام أوشك وأن الدين اكتمل. بعد ثلاث وعشرين سنة ليس لها نظائر في أعمار البشر، ولا أشباه في تواريخ الأمم تم نزول الوحى، وتمت تربية الأمة التى ستحمله للعالمين أشرف على صنعها الإنسان الذى أفرده القدر بهذه الميزة فلم يشركه فيها واحد من المرسلين. ألم يلبث نوح عليه السلام تسعة قرون ونصفا ليصلح قومه دون جدوى؟ ألم يخلف موسى عليه السلام في قومه نحو ثلاثمائة نبى ظلوا كذلك ألف عام ليصلحوا بنى إسرائيل فلما تعذر صلاحهم تحولت رسالات السماء عنهم إلى الأبد؟ لكن"محمدا"ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعناية الله استطاع أن يغير الجزيرة العربية تغييرا حاسما، وخلال ربع قرن أو أقل تبدلت الأرض غير الأرض فإذا البقاع التى غبرت دهرا عطشى إلى أثارة من علم تفيض بحضارة موارة بالحياة والعطاء والعدالة والمرحمة، وإذا أبناء البوادى يعلمون أبناء روما وأثينا والمدائن حقوق الإنسان، ومعالم الحضارة، وضوابط المعرفة. إن ما أحدثه نبى القرآن في دنيا الناس معجزة فوق ما يعرف الناس من خوارق وعادات، والمائة ألف التى استمعت إليه في حجة الوداع وهو يهدر بآيات الحق كأنما انسكب في روعها قبس من هذا الإنسان الهادى فإذا هى تتحول إلى شهب في الليل المخيم على الإنسانية، فلا ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت