فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 247

هذه الحكمة التى ألهمها صاحب الرسالة هى التى جعلت أتباعه ربانيين يدخلون البلاد لحساب السماء لا جريا وراء الحطام، ويحيون لله لا لطبائع الأثرة والاستعلاء. وقد جاءت الحكمة في سورة الإسراء بعد تفصيل لبعض مفرداتها ولكنها في سورة لقمان جاءت سابقة ثم لحقها التفصيل والإيضاح. (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) . ثم شرع لقمان يعرض حكمته ويؤدب ابنه ويرفع مستواه. ومن فقهائنا من يرى الحكمة هى السنة الشريفة، وربما استأنس لذلك باقترانها بالكتاب عادة، ونحن نعرف أن السنة نصف الدين ومجلى العظمة المحمدية بيد أننا لا نفسر الحكمة بها ونرى الأليق بالكلمة ما ذكرنا. والحكمة في المصحف الشريف سطور منثورة وعظات حية، لكنها تتحول من شخص النبى العظيم إلى سيرة مرموقة وبطولة معجبة ومنهج دقيق، إن الفضائل المتجسدة في سيرة محمد عليه الصلاة والسلام جعلته شمسا لا يلحقها أفول، ومكنت الألوف من الأخذ عنه والاقتباس منه دون زحام. وغريب أن تلتقى في سيرة هذا الإنسان العالى أطراف متباعدة من شئون الناس فيؤديها كلها بدقة لا ترى فيها تفاوتا، إنه يعلم امرأة كيف تنقى بدنها، ويعلم رجلا كيف يرجل شعره، وفى الوقت نفسه يرسى العلاقات الدولية، ويخطط للحرب والسلام. والسر في ذلك أنه ترجمة عملية للقرآن الكريم، فهو مدد شعوره ولب تفكيره، وأساس سلوكه ونظام أخلاقه في البيت والطريق والخلوة والجلوة والصداقة والخصام والقرب والبعد. كان العرب أفرادا مبعثرين لا يجمعهم شىء، وكان تركيبهم النفسى يستعصى على كل رباط، وقد قال الله فيهم: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم) . فما الذى حول الجزيرة الفوضوية إلى مستودع رتيب تخرج منه الجيوش موحدة الهوى والهدف؟ وتنساق إلى غاياتها مرصوصة الصفوف تحنى أصلابها في الصلاة على تكبير واحد! وتتسابق إلى لقاء الله بيقين واحد؟ إن صاحب الرسالة العظمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت