فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 247

قلبها.. كيف لا يجىء المسلمون هنا وتاريخهم المادى والروحى يرتبط بهذا المكان، وذكريات الوحى الأول والخاتم ترف في ربوعه كلها؟ إنهم يجيئون ليترجموا عن وفائهم ويقينهم، ولتبقى دورات التاريخ متصلة المبنى والمعنى، لا يمر عام إلا أقبلت الوفود من كل فج كأنها الحمائم تنطلق إلى أوكارها، يحثها الشوق إلى مهاد التوحيد وحصنه: ص _133

(ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) . وليس للطائفين بالبيت نجوى إلا مع الله وحده، شغلهم الشاغل ترديد الباقيات الصالحات، والتقدم بضعف العبيد إلى القوى الكبير أن يجيب سؤالهم ويحقق رجاءهم! ماذا يقولون؟ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر.. ثم يدعون: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) . إننا نهدى هذه الكلمات الجليلة، وهذا الدعاء الرقيق إلى المستشرقين والمبشرين الذين يشيعون أن المسلمين يعبدون الكعبة! شاهت الوجوه! وبئسما افتريتم، إن المسلمين ما يعبدون إلا الله وحده ويرون ما في الكون من ناطق وصامت عبدا لله وحده. وفى أداء مناسك الحج يقول الله سبحانه: (فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) . إن الوفود القادمة من القارات الخمس على اختلاف لغاتها وألوانها وأحوالها يجمعها شعور واحد، وتنتظمها عاطفة دينية مشبوبة، وهى تترجم عن ذات نفسها بتلبية تهز الأودية! ويتحول ما أضمرته من إخلاص إلى هتاف باسم الله وحده، لا ذكر هنا إلا لله! ولا جؤار إلا باسمه! ولا تعظيم إلا له! ولا أمل إلا فيه! ولا تعويل إلا عليه. إن المسافات تقاربت، بل انعدمت، بين ذكر لله يمر بالفؤاد كأنه خاطرة عابرة، وبين ذكر لله يدوى كالرعد القاصف من أفواج تتدافع إلى غايتها لا تلوى على شىء، ولا يعنيها إلا إعلان ولائها لله الذى جاءت لتزور بيته. لقد رأيت في العواصم الكبرى تظاهرات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت