فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 247

وفى ذلك يقول الرسول ـ صلى الله عيه وسلم ـ:"ما من ملب إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا عن يمينه وشماله". ما هذا التأويب الذى يصحب سفر الحاج ومتقلبه بالليل والنهار؟ لقد ذكرت غناء داود بأمجاد الله، وكيف كانت ترانيمه تملأ الوهاد والنجاد، وتردد الجبال صداها تكاد ترق لخشوعها! وتصغى إليها الطير الغاديات الرائحات تكاد تهبط لعذوبتها. يقول الله سبحانه في ابتهالات داود: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب) . كذلك ترجع الأرض عن يمين وشمال هتاف الحجيج وهم يهتفون من أعماق قلوبهم:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". إنه هتاف ينفرد به أتباع محمد ـ صلى الله عيه وسلم ـ ، وحملة راية التوحيد! أما غيرهم فهم بين معطل ومشرك وجاحد منحرف.. إن لهم هتافا آخر يمثل عبوديتهم للتراب ولما فوق التراب من دنايا وخزعبلات. وبعد أسفار تطول وتقصر يبلغ الحجيج مكة المكرمة ليطوفوا بالبيت العتيق، إنه المسجد الذى يستقبلونه في كل صلاة، فيرونه ببصائرهم وإن لم يروه بأبصارهم! ولماذا يستقبلونه؟ لا!نه أول بقعة وضعت في الأرض ليعبد فيها الركع السجود ربهم وحده، مهدها الخليل إبراهيم عليه السلام بعد عراك طويل مع الوثنية المستكبرة العنيدة! كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ رجلا أعظم من ألوف الرجال أعلن الحرب على هذه الحجارة المقدسة، واشتبك في خصام مر مع المتعصبين لها وهم كثير! في طليعتهم أبوه وقومه! وأشرف على الموت في هذا الصراع لولا أن الله أبقاه ليكمل رسالته.. فلما جاء إلى مكة بنى هذا البيت الشامخ، ودعا أن يحفه الله بالأمان، حتى لا يساور العباد القلق وهم بين يدى الله! ودعا أن يطهر الله القلوب من ظلال الوثنية. ودعا أن يكون من ذريته نبى يحرس الوحدانية وينشر العلم والتقوى، وأن يقود أمة تسلم لله وجهها وتخلص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت