فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 247

تأملات وخواطر في مناسك الحج في معركة الخبز التى تسود الأرجاء، وترهق الأعصاب! وفى زحام الحياة والناس يلهثون وراء مآربهم القريبة والبعيدة! كان هناك أشخاص آخرون يخلصون بأنفسهم بعيدا، ويصغون إلى نداء آخر يجىء من وراء القرون، ويتردد صداه على اختلاف الليل والنهار! إنه نداء قديم جديد! قديم لأن أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام أول من أعلنه، وصدع بأمر الله حين قال له: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) . وجديد لأن خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ـ صلى الله عيه وسلم ـ ندب إليه وقاد قوافله ووضع مناسكه وبين ما رصد الله له من جوائز، وربط به من منافع.. وكان آخر عهده بالجماهير الحاشدة وهى تصيح إليه في حجة الوداع يزودهم بأحر وصاياه، وأحفلها بالخير والبر. إن وفود الحجيج وهى تنطلق صوب البيت العتيق مخلفة وراءها مشاغل الدنيا، وهاتفة بأصوات خاشعة: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك، إن هذه الوفود تؤكد ما يجب على الناس جميعا لله سبحانه وتعالى، من طاعة مطلقة، وانقياد تام، وذكر وشكر وتوحيد وتمجيد. هل العالم يتذوق هذه المعانى؟ ويستشعر حلاوتها؟ كلا، فما أكثر التائهين عن الله، والمتمردين على حقوقه! ما أكثر العابدين بغير ما شرع، والحاكمين بغير ما أنزل! إن هؤلاء العاصين نغمة شاذة في كون يسبح بحمد ربه: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) . دع هؤلاء التائهين، وأرمق الوفود المنطلقة صوب مكة تجأر بالتلبية، ويسيل بها البر والبحر والجو! إن جؤارها بالتلبية يصدقه كل شىء في البر والبحر والجو! فالملبى حين يرفع عقيرته مناجيا ربه، ومصدقا أخاه، ومقررا أشرف حقيقة في الوجود، يتجاوب مع الملكوت الساجد طوعا وكرها! أو يتجاوب مع الملكوت الذى يبارك رحلته ويحترم حجته. ص _132

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت