فهرس الكتاب
لقد حطوا الرحال هتا ليتفرغوا لتمجيد الله وتوحيده، وطلب مغفرته ورحمته! في مكان وزمان معينين فرض الله على المسلمين من شاطئ الأطلسى إلى شاطئ الهادى أن يتلاقوا هنا ليعلنوا أساس حضارتهم وسياستهم، إنه التوحيد الذى جاهد المرسلون كلهم من أجله! فلا عجب إذا كان الشعار المرفوع سحابة النهار، وزلفا من الليل"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير"العرب والعجم والترك والهنود والزنوج وغيرهم وغيرهم من خلق الله يصرخون بهذا الشعار! إن الأصنام القديمة سقطت، بيد أن أصناما أخرى ظهرت وسرقت أفكار الناس ومشاعرهم، وربما رأيت أفرادا وشعوبا يزحمون أرجاء الدنيا، ويحيون ويموتون ما يرفع أحدهم بصرا إلى السماء، ولا يرفع كف ضراعة إلى خالقه، لأنه لا يعرفه..! إن الأمة الإسلامية وحدها هى التى ورثت الحقيقة، وعرفت العقيدة الصحيحة، وهاهى ذى ترسل وفودها إلى الأرضى المقدسة معلنة في المكان والزمان اللذين فرضهما الله، أنه لا إله إلا الله.. عليها نحيا، وعليها نموت، وفى سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله. ويوم عرفة فريد في معناه ومظهره، لا تسمع فيه إلا تأوهات التائبين، وأنين الخاشعين، وضراعة المفتقرين، إنها الإنسانية المستجيرة بربها، النازلة بساحته مؤملة في خزائن لا تنفد، وعطف لا يغيض. ولقد جاء في السنة الشريفة:"ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهى بأهل الأرض أهل السماء، يقول: انظروا إلى عبادى جاءونى شعثا غبرا ضاحين ـ أى بارزين للشمس ـ جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتى ولم يروا عذابى.. فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة". وفى حديث آخر:"ما رئى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة! لما يرى فيه من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام". إن إثراء الجانب الروحى هدف ظاهر من أعمال الحج وأقواله حتى