فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 247

والواقع أن تكوين العقل الدينى لا يتم إذا كان في عزلة عن الاستبحار العلمى الحديث، وأهل الذكر لا تستقيم لهم فتوى إذا كانت معرفتهم بالحياة لا تعدو الأبجديات القديمة. وأرى ضرورة تنظيم محاضرات فلكية وطبية وجغرافية وجيولوجية وفيزيائية وكيمائية.. الخ على المشتغلين بالعلم الدينى حتى بعد تخرجهم، فإن التخلف في هذا المضمار مصيبة. ونلاحظ أن هناك وحشة بإزاء عدد من العلوم الإنسانية مثل علم النفسى والتربية والأخلاق والاجتماع.. الخ. والواجب أن تدرس هذه العلوم وأن توضع في إطار إسلامى صلب. وعندى أننا لو غربلنا التراث الصوفى وقدرنا جهود ابن القيم وابن الجوزى والغزالى وابن عطاء الله السكندرى وغيرهم لأمكننا أن نخرج بحصيلة رفيعة القدر في مجال الخلق والتربية والسلوك ولأمكننا أن نصوغ نصف العلوم الإنسانية في قالب إسلامى جميل ونافع. لقد رفض كثير من الموجهين اعتبار التصوف علما، وتركوه للجماهير تتبع فيه آثار شيوخ لا يحسنون التربية والقيادة، بيد أن هؤلاء القاصرين كانوا أقدر على اقتياد العامة من فقهاء جافين مكروهين فقدوا صفاء النفس وسماحتها وطيبتها. فإلى متى يبقى هذا الموقف الرافض؟ وماذا كسبنا منه؟ كسبنا أن الدين عند العوام وأشباههم جملة من الأحكام الجزئية، والمعارف المبتورة، من ورائها طباع لم تهذب، وأهواء قد تعلن عن نفسها بمكر في صور الطاعات وقشور العبادات، أما الضمير فميت! إن الدين يفقد جوهره حين تضعف علاقته بالقلب، وعلم القلوب أو علم السلوك وجد في التصوف الإسلامى خواطره ومراحله، والمهم هو ضبطها بتعاليم الشريعة، ومنع العواطف السائلة الرجراجة من الانطلاق دون حدود. وإنه لمما يعين على إدراك هذا الهدف الاستعانة بالعلوم الإنسانية خصوصا بعدما هجرت منهجها الفلسفى وخطت لها مجرى علميا يحترم الحقيقة ويلتزم بها. والعلماء في هذا المجال ليسوا سواء، ففيهم المخطئ والمصيب، بل فيهم المؤمن والكافر، فلنغص معهم في أغوار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت