فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 247

المخيمات، وأن عفونة الجثث بدأت تغير رائحة الجو، وأن رجال (الصليب الأحمر) شرعوا يحفرون مقابر جماعية ليخفوا آثار المأساة أو ليمنعوا انتشار الأوبئة. وحولت مؤشر (الراديو) لأسمع كلاما آخر فإن روحى يكاد يزهق من الحزن! وصدمت أذنى إذاعة القاهرة وهى تقدم للمستمعين في فترة الظهيرة من 21 سبتمبر سنة 1982 ـ أو أيلول الأسود كما يسميه البعض ـ أغنية عبد الوهاب ( ليلنا خمر..) !! ورأى أحد جلسائى تغير وجهى.. وهمست وأنا مستغرب: كان من الممكن أن تقدم الإذاعة للمغنى نفسه، وللمؤلف نفسه قصيدة (أخى جاوز الظالمون المدى) فما هذا العمى؟ إن قصيدة (ليلنا خمر) ما يجوز أن تذاع أبدا.. فالإسلام يحرم الخمر ليلا ونهارا.. وعندما كانت الخمر مباحة في الجاهلية العربية حرمها العرب على أنفسهم عندما يضامون ويكون لهم ثأر، حتى لا تنسيهم الخمر ألمهم وتسليهم عن مصابهم. فكيف يسمعون الآن من يغنيهم بصوت رخيم ( ليلنا خمر) !. لكن واضعى البرامج والمشرفين على الإعلام في واد آخر، إنهم ينادون من مكان بعيد..! ويظهر أن العرب أصبحوا الآن بعرا على صعيد هذه الأرض، فهم يتلقون الأذى سكارى أو طلاب سكر!.. وفى الوقت الذى يمكن فيه قادة اللهو من تنويم الأيقاظ نمنع نحن من إيقاظ النيام! ماذا يطلب صانعو المذبحة أكثر من تخدير المشاعر وتدويخ الأفكار والحيلولة دون كل إحساس بالفاجعة وطلب للقصاص وأخذ بالثأر؟ لكن لماذا تهدر دماء المسلمين عالميا على هذا النحو الشائن؟ هناك سببان قائمان لهذه المجازر، أولهما يرجع إلى تعاليم حرب الإبادة التى حواها العهد القديم، ولا يزال يعتنقها كثير من اليهود والنصارى، وقد شرحناها في مكان آخر من كتبنا. أما السبب الآخر فيعود إلى طبيعة الحكم في البلاد الإسلامية، والفجوات العميقة بين الشعوب وأصحاب السلطة ووقوع أزمة الأمور عادة بين جلادين لا يرحمون. إننى ـ وأنا أكتب هذه السطور ـ أقرأ وأسمع عن الإضراب العام الذى أعلنه العمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت