فهرس الكتاب
خلودها إلى آخر الدهر، فهو يجدد كيانها ويصون حقائقها، ويغنى عن رسالات أخرى تحل محلها. والنشاط الشعبى في هذا الميدان كان ـ في تاريخنا ـ أبقى وأنمى وأجدى. وقد سد الثغرات التى أحدثها تخلخل الحكم في التاريخ الإسلامى المديد، أو رتق الفتوق الرهيبة التى وقعت. فعندما سقط الخليفة الأعظم في بغداد، وتهاوت الدولة العجوز تحت مطارق التتار، استيقظت أسباب المناعة في الأمة الجريح وتحركت طوائف الدعاة هنا وهناك، ووقع حدث من أعجب الأحداث في تاريخ الدنيا! فقد أسلم التتار. وفشلت الأجهزة الرسمية للكنيسة في اجتذابهم وعاد المندوب الباباوى إلى إيطاليا يجر أذيال الفشل. وتم قريب من ذلك في مطاردة صليبيى العصور الوسطى، فإن الدعاة اعترضوا روح الهزيمة عند بعض الحكام، وتوارثوا إشعال نار المقاومة وزودوا صلاح الدين بجيش من الفدائيين ينشدون الشهادة في البر والبحر. وبعد تسعين سنة تحررت القدس، وبعد قرن آخر كان كل شبر من أرض الإسلام قد غسل غسلا من آثار الهمج المغيرين. يقول التاريخ: أن هناك رجالا لم نعرف أسماءهم ولكننا رأينا آثارهم هم الذين أقالوا العالم الإسلامى من عثرته وأنهضوه من كبوته. إنهم الدعاة الربانيون المتجردون الذين عرفوا الحق، واستشعروا السعادة في نصرته. إنهم العلماء الذين يوزن مداد أقلامهم بدماء الشهداء. إنهم جنود مجهولون في هذه الدنيا، ولكنهم ـ غدا ـ أعلام شامخة في ربى الخلد. ومضى العالم الإسلامى إلى الأمام وهو يحمل في طياته أسباب دائه ودوائه، ولم تكن القوى المتربصة به غافلة عما يجرى فوق أرضه، بل لعلها كانت أعرف بذلك من بعض أبنائه الناعمين. وما حدث في القرون الأخيرة جدير بالدرس العميق إذ إن الفجوة بين الأمة ورسالتها اتسعت اتساعا مكن الأعداء المتربصين من توجيه ضربات هائلة إلى الكيان المهتز.. فلننهض بواجبنا ليبدأ من جديد جهاد الدعوة. ص _1 ص