فهرس الكتاب
ليست الدعوة إلى الله عاطفة ساخنة يتحرك بها شخص أو يستفز بها جمهور، فربما كان فساد الأديان ناشئا عن مشاعر حارة وراء أفكار مرفوضة. يجب أن يكون الحق محور سلوكنا العام والخاص على سواء. وشرف أمتنا يجىء من توافق هواها مع هدايات الله، ومن تطابق عملها مع أوامر الله ونواهيه. وقد استبان لى أن الخطأ لا يولد ضخما يوم يولد، إنه يبدأ عوجا محقورا، أو انحرافا طفيفا ثم يستفحل شره على مر الأيام. والمتأمل في علل المسلمين الاجتماعية والسياسية يجد أن جراثيمها قديما ولدت، وإنها لم تبلغ مبلغها اليوم إلا وسط ظروف معقدة لا مكان هنا لشرحها. والمقياس الفذ العاصم من الزلل أن نتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأن نستصحب معنا في هذه المحاكمة سيرة الخلفاء الراشدين والفقهاء الأئمة، فإن الحق قلما يفوت هؤلاء الكبار في مجالى السياسة والثقافة. ثم إن الفقه الإسلامى لم ينشأ من فراغ، إن له أصولا محترمة من جهلها وجب الحذر منه، بل هو في نظرى ليس أهلا للعمل في ميدان الدعوة. إننى أقول ذلك لإحساسى بالأزمات العصيبة التى يمر بها ديننا، فالأمة الإسلامية تحارب بقسوة في مراحل التربية وساحات القضاء وتقاليد المجتمع! إنها محنة لم يمر الإسلام بمثلها خلال القرون الماضية. وجهاز الدعوة الذى قام قديما برأب الصدع وجمع الكلمة يجب أن يستأنف نشاطه، بيد أنه لن يقدر على ذلك إذا فاته حسن الفقه وصدق البصيرة وخلوص الغاية، فإنه حين يفقد هذه الخصال لن يقدم للناس الإسلام الصحيح. ولقد ضربنا مثلا قضية الشورى إنها في الكتاب والسنة أساس مجتمع، ولكن الحكم الفردى الطائش استبعدها، فجاء من يعدها من مواد الترف! ثم جاء من يعدها لمن قبلها غير ملزمة، بل يمضى على ما يرى هو. ثم تاهت أجهزتها في دوامة الاستبداد الأعمى فما يدرى كيف يتم لها تكوين. ثم أطبقت ذئاب الأرض من كل فج على أمة أكلها كبراؤها!! ولا يزال البعض شديد الحرص على أن تكون الشورى وأجهزتها