وتأملت الدوافع إلى هذا كله فلم أر إلا قلوبا خالية من الله جل وعز بعيدة عن الشعور بعظمته ورقابته! وإن همهمت بكلمات محفوظة عن الدين والوحى! وأؤكد أنه عند فساد الفطرة لا يوجد دين، وعند اختلال العقل أو نقصانه لا يفهم وحى! وأن الأوامر الجزئية المتناثرة المنفصلة عن روح جامع لا تكون سلوكا كما أن اللبنات المركومة وأسياخ الحديد الملقاة لا تنشئ بيتا... إن تعليمات المرور لا تفيد من أصيب بانفصال في الشبكية، أو من أصيب في صمامات القلب. ولقد أقام نبينا ـ صلى الله علليه وسلم ـ حضارة حققت الغاية العليا من الوجود الإنسانى، وكانت عدته في ذلك ما تلقى من وحى، وما ألهم من هدى. كان أقدر المستقدمين والمستأخرين على تصحيح المسار الإنسانى عن طريق ضبط الأجهزة الرئيسية في الكيان الإنسانى. ونحن في هذا المنهج نسير، وبمواريث النبوة نستهدى. إننى عندما أكتب أقسم مشاعرى وأفكارى قسمين! قسما يتعرف الواقع الإسلامى بدقة ـ أعنى أحوال أمتنا ما ظهر منها وما بطن! ـ وآخر يتلمس من توجيهات الإسلام ما يشفى السقام ويدعم الكيان... وفى تعرفى على أحوال أمتنا أميز الأمراض الموروثة عن الوافدة حتى لا أضل العلاج، ولا أسمح للأعراض المتشابهة أن تخدعنى عن جراثيمها المختلفة! وفى تلمسى للأدوية أفرق بين الإسلام من مصادره المعصومة وبين تاريخه المتفاوت بين مد وجزر، وسواء أكان هذا التاريخ سياسيا أو ثقافيا... وعندما أخطئ ـ وأنا خطاء ـ أكون أطوع الناس لمن يأخذ بيدى إلى الصواب، والمشكلة أن المرء قد يطب لغيره، ولا يحسن أن يطب لنفسه، ولا مناص من أن يلهج أبدا بالدعاء المأثور:"اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت"... والله ولى التوفيق... الدوحة في غرة شعبان 1404 هـ محمد الغزالى ص _007