فهرس الكتاب
خصومه لم يكونوا على شىء! فمن نيف وأربعين سنة أمر الدكتور ـ وكان عميدا لكلية الآداب بالقاهرة ـ بقبول طالبات في الكلية لأول مرة في تاريخ التعليم الجامعى. وانفجرت مراجل الغضب عند الأزهريين، وزلزلت الأرض زلزالها فقد كان إلحاق النساء بالتعليم العالى شيئا إدا. ص _069
والواقع أن جماهير من المتدينين كانت تستنكر تعليم المرأة في أى مرحلة، وتعد تجهيلها من الإيمان. ولو أنها غضبت لأن التعليم مختلط، وينبغى تخصيص كليات للبنات لكانت على حق. وفتحت بعد ذلك بعشرين سنة كليات للفتيات في الأزهر.. لقد استيقظ بعدما فاته القطار .. إن التدين القاصر ينيل أعداءه مكاسب كبيرة دون جهد يبذلونه. والغريب أن هذا القصور المعيب لا يزال سمة غالبة على المتكلمين باسم الإسلام في أماكن شتى! وفى قضايا سياسية واجتماعية بعيدة الآثار. ألا فلنعلم أن الموقف السلبى لا يهزم العمل الخاطئ، إنما يهزمه بديل منصف نفاع للناس، حام لحقوقهم ومصالحهم. قد تكون ( للديمقراطيات) الغربية هنات تنال منها، لكن هذه الأنظمة لا تهزمها قصيدة هجاء، أو خطبة رنانة، إنما يهزمها نظام ينفى الاستبداد، ويعز الشعوب، ويصون الفطرة، ويحترم البرهان، ويطارد الأوهام. لم تكن الجبهة الإسلامية قادرة على تقديم هذا البديل، فنجح سماسرة الاستشراق والتنصير في اجتياح مواقع كثيرة.. على أن الدكتور توقف عندما واجهه عاملون جدد في حقل التراث، كان يبشر بعظمة اليونان وعراقة تاريخهم وحضارتهم، حتى كتب العقاد يثبت عكس ذلك، وكان يريد تغيير الكتابة العربية، ونشر مقالا أدخل فيه حروف العلة في بنية الكلمة للدلالة على الحركات، ولكن الدعوة سرعان ما انهارت لأن حماة أشداء ـ من غير البيئة الدينية ـ بصقوا على الفتنة فانطفأت. ولست بصدد التأريخ لما كان، وإنما بصدد التوجس مما هو كائن فإن العراك مازال محتدما بين الإسلام ورسالته من ناحية، وبين الاستعمار العالمى وأحقاده التاريخية من ناحية