فهرس الكتاب
مدرسة رائدة .. وإمام ضخم قلت لرجل يكره جمال الدين الأفغانى: ما قيمة التشكيك في انتماء جمال الدين لبلد ما؟ ليكن أفغانيا أو إيرانيا أو سودانيا! فهل يستمد الرجل شرفه من وطن ولد به! إنما يستمد عظمته من سيرته وتراثه والأصداء البعيدة التى تركها في العالم الإسلامى فأيقظته من سبات. قال: إنه إيرانى يستخفى بنحلته الشيعية وراء نسب زائف! ومبدأ التقية عند الشيعة يتيح له ذلك! قلت: إن أصدقاء جمال الدين وأعداءه نقبوا في أقواله وأفعاله وخطبه وكتبه فلم يروا ذرة من تشيع إلا للإسلام والسلف الصالح، ولم يروا نبرة من حماس إلا لاستعادة الحضارة الغاربة وإنعاش أمتها المسكينة. إن نفس الرجل تساقطت أنفسا وهو يكافح الذل والجهل والذهول والتفرق وسائر العلك التى أكلت كياننا. و ما عرف عنه تعصب لمذهب كلامى أو فقهى أو جنسى، كان الإسلام وحده شغله الشاغل حيث ولى وجهه في آسيا أو إفريقية أو أوروبا. قال: هذا من إتقانه لتمثيل دوره، فقلت مقاطعا: هذا الكلام يشبه اتهام (كارل ماركس) بأنه رأسمالى تخفى وراء فلسفة صنعها أو صنعت له كى يخدم الأغنياء وأرباب العمل. دع عنك هذا اللغو، ولننظر في عمل الرجل لا في نسبه. عندما ظهر (الأفغانى) كانت الأمة الإسلامية تركة رجل مريض يوشك أن يلفظ روحه ويقتسم ميراثه، ولم تكن له في المحافل الدولية مهابة ولا رسالة. استطاع أعداؤها مع امتداد عصر الإحياء أن يجتازوا البارود إلى البخار وأن يتهيئوا للكهرباء والذرة على حين جثم المسلمون على مكانتهم يبذرون الحب، ويرجون الثمار من الرب، ولا يدرون شيئا قل أو كثر عن الكون الذى يعيشون فيه. ص _079