فهرس الكتاب
ومن الذى يقدر على حمل هذه التبعات؟ أعشى لا يبصر من حقائق دينه شيئا طائلا؟ كان ربعى بن عامر البدوى أبصر بغايات الإسلام من شيوخ كبار في عصرنا عندما قال للفرس: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. لقد أبصر علل القوم وصاح ملوحا لهم بالدواء. الأوروبى المستنير المتحضر في أوروبا متبرم بما ورث من عقائد، ويريد أن يعب من ينبوع التوحيد الخالص الذى يتفجر في ديننا، وهو يسأل عن تعاليم هذا الدين فماذا يسمع؟ لا يسمع إلا ما يصده ويرده. هذا يقول له: الشورى لا تقيد الحكم الفردى ولمن شاء أن يستبد بالأمة وعليها الصبر. وهذا يقول له: يتكون المال عند من صادفه الحظ دون حرج فإن الله يريد أن يجعله دولة بين الأغنياء منكم. وهذا يقول له: العقل أعمى والتعويل على الشرع، أو الدنيا ضرة الآخرة ولا يمكن الجمع بينهما! أو الحديث الضعيف مقدم على القياس. وهذا يقول له: المرأة لا تخرج من البيت إلا إلى الزوج أو القبر ولا يصح أن تلى منصبا ما. فلو كان في إنجلترا لقال للإنجليز: اعزلوا ملكتكم واطردوا رئيسة وزارتكم لكى يمكن قبولكم في الإسلام. وعنده أن سليمان عليه السلام كان مخطئا عندما أقر وضع ملكة سبأ، وطلب منها أن تعتنق الإسلام. إن الرجال الثلاثة: جمال الدين ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا هم قادة الفكر الواعى الذكى في القرن الأخير. والنقيق العالى الذى يثور ضدهم هو من أشخاص علمهم بالإسلام سطحى ودفاعهم عنه دفاع الدبة التى قتلت صاحبها. إن صاحب المنار استوعب مذهب المفسرين، من تفسير بالأثر إلى تفسير فقهى، إلى تفسير كلامى، ومن المختصرات إلى المبسوطات، ثم ضم إلى ذلك علما بآراء المذاهب الفقهية الكثيرة، إلى تقعيدات الأصوليين الذين نبغوا في شتى العصور، إلى ما جد في العالم الإسلامى بعد احتكاكه بالمجتمعات الحديثة. ص _091