فهرس الكتاب
وقد روى أن أستاذه الشيخ محمد عبده طالع خمسة وعشرين تفسيرا ليستريح إلى معنى آية من آيات الأحكام، اضطربت فيها الأقوال. وكان الرجل صاحب فكر متميز ومقولة مدعومة في هذه المعامع العلمية، فما غره بريق، ولا هالته كثرة، وكان بصيرا بعلل الضعف التى انتابتنا، ومداخل الشيطان في حياتنا، وكان عميق الشوق إلى إحياء العقل الإسلامى والعودة به إلى نقاء السلف الأول. والذى أراه أن مدرسة المنار هى المهاد الأوحد للصحوة الإسلامية الحاضرة، وعلى الذين يرفعون القواعد من هذا المهاد أن يتجنبوا بعض الهنات التى فات فيها الصواب إمامنا الكبير، فما نزعم عصمة له أو لغيره. قال لى الأستاذ حسن البنا عليه الرضوان: إنه تناقش مع الشيخ رشيد في إحدى القضايا الفقهية، واتسعت مسافة الخلف بينهما، ولم يصلا إلى وفاق. ثم رأيت الأستاذ البنا يصدر صحيفة الشهاب، ويبدأ فيها باب التفسير، فإذا هو يستفتح بسورة الرعد! قلت له: لم هذا البدء؟ قال: من حيث انتهى الشيخ الكبير محمد رشيد رضا. قلت في نفسى: لا يعرف الرجال إلا الرجال. ثم جاء في هذه الأيام غلمان في ميدان المعرفة يريدون الاستطالة في أعراض الأئمة. ويستحيل أن يهدى إلى الحق من يحرم أخلاق الإيمان، أعنى من همته البحث عن العيوب ورجم الناس بها. إن رب العالمين تبارك وتعالى جعل في حسابه كفتين، واحدة للحسنات وأخرى للسيئات! وهؤلاء لا يعرفون إلا كفة واحدة تجسم فيها الشرور، صحيحة أو منحولة. وهل قتل الخلفاء الراشدون إلا بهذا المنطق الكفور؟ وهل جأر الأبرياء من قديم بالشكاة إلا من أناس.. أن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا عنى. وما سمعوا من صالح دفنوا! جهلا علينا، وجبنا عن عدو همو لبئست الخلتان الجهل والجبن! والمتدينون المصابون بهذه الآفات لا تنجح لهم حركة، ولا تتنزل عليهم رحمة، لأنه لا كرامة إلا لمن أتى الله بقلب سليم. وسمعت من هؤلاء أن الشيخ محمد عبده اتصل بالإنجليز وتعاون معهم، فقلت: إن كانت