فهرس الكتاب
علاقته بالقوم من محبة لهم وولاء فقد ارتد عن دينه وحبط عمله، فهل كان ماضى الرجل ومستقبله يرشحانه لهذه التهمة؟ ص _092
إن الشيخ محمد عبده سهر في الرد على وزير الخارجية الفرنسية (مسيو هانوتو) عندما هاجم الإسلام، فأتم كتابه (الإسلام والعلم) فى ليلة واحدة، حرمه الحماس الرقاد، فلم يسترح إلا بعدما جلا الحق. أين كان الشيوخ الحاقدون على الشيخ يومئذ؟ كانوا بين عاجز وجبان. وعاد الرجل إلى القاهرة بعد فشل الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر. وكان الخديوى قد أصدر أحكاما بإعدام وتشريد قادة الثورة، بيد أن الإنجليز خففوا هذه الأحكام، واستبدلوا بها النفى لمدد متفاوتة. فلما رجع محمد عبده وجد واقعا مرا، القصر الخائن والمحتل الكافر. ومن أيسر الأمور على رجل مهزوم أن يفر إلى بيته وينسحب من الحياة العامة، ولكن البطولة ليست في هذا الفرار السهل، لقد آثر الطريق الطويل طريق التربية ورفع المستويات النفسية والفكرية. ويفرض عليه ذلك السعى لإصلاح الأزهر، وترقية اللغة والأدب والتدريس المتصل لعرض حقائق الدين وإنارة الطريق أمام التائهين، لقد فشلت الثورة العسكرية فليتخذ أسلوبا آخر. وهو أمام خيارين أحدهما مر، كيف يتقى الإنجليز، وكيف يتقى القصر؟ وكان محمد عبده شديد الاحتقار للعائلة الملكية، ويرى أنها أسرة وضيعة باعت دينها وعرضها في سبيل الجاه الزائل.. وقد وصف كبيرها محمد على باشا فقال من حديث طويل: أخذ يقرب الأسافل كأنما يحن إلى عرق فيه. ولما اتجه إلى إصلاح الأزهر وجد مقاومة هائلة من شيوخه الذين يرون إدخال العلوم الحديثة كفرا! ويرون استبقاء الحصر القديمة، لأن أقدام الشيوخ المباركين وقفت عليها. وقد ذكرت في حديث سابق أن عدة جماعات كانت تقام للصلاة الواحدة بأعداد المذاهب الفقهية، وكان الفكر الإسلامى في غيبوبة لا تشبهها إلا غيبوبة الأدب العربى. لقد استمات الشيخ المصلح في عمل شىء للإسلام فتحايل على سطوة الإنجليز،