فهرس الكتاب
وعلى جمود الشيوخ، وعلى خصومة القصر، وعندما مرض مرضه الأخير ترجم عن آلامه النفسية بقوله: ولست أبالى أن يقال محمد أبل، أم التفت عليه المآتم! ولكن دينا قد أردت صلاحه أحاذر أن تقضى عليه العمائم! ص _093
ولم يكن غريبا أن يتهم محمد عبده بالكفر، وإنكار كرامات الأولياء، والخروج على آراء الفقهاء، بل لقد اتهم بترك الصلاة، وأحسبه كان سيتهم بأمور أخرى لو كان في ريعان الشباب. ومع ذلك، فقد مضى الرجل في طريقه بقوة، ونشأ عن حركته ازدهار علمى وأدبى وسياسى نقل الأمة الإسلامية إلى طور آخر من أطوار الحياة والكفاح لم تشهده من ألف عام. وما أحسب أن مدرسة المنار، ثم مدرسة محمد فريد وجدى، والعقاد، والخضرى، وأبى زهرة، ومحمود شلتوت، والمدنى، وغيرهم من الإسلاميين والمد الأدبى العظيم في الشعر والنثر الذى تدافع سيله في الأيام الماضية وارتقت به اللغة العربية ارتقاء باهرا ما أحسب أن ذلك كان سيتم لولا حركة محمد عبده وأستاذه جمال الدين. أكان الاستعمار الصليبى أو الشيوعى يترك هذا السيل إلى مداه؟ إن شتم جمال الدين، ومحمد عبده، ورشيد رضا، لا يعنينا لو كان تجريحا شخصيا، إنه محاولة للقضاء على نهضة أمة ورسالة دين؟ ماذا قلت؟ لماذا لا يعنينى تجريح رجالنا والنيل من مكانتهم؟ هذا خطأ كبير. إن الجهود المجنونة التى تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والأدب والسياسة لها غاية يجب فضحها، والتحذير من مغبتها، إنها تريد القضاء على تاريخ أمة، وعندما تكون أمتنا بلا تاريخ، فلن تكون أمة، ما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم يصنع رجالا على تراخى العصور؟ إنه لابد من استنقاذ تراثنا من أيدى المسعورين والهدامين، والواقفين على مبعدة ينبحون القوافل المارة. ص _094